مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (123)

(وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ١٤٩) [البقرة: 149]

السؤال الأول:

ما دلالة تكرار لفظة في سورة البقرة (فَوَلِّ وَجۡهَكَ) في الآيات،149،144، 150؟

الجواب:

جاء قول الله تعالى: (فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ)ثلاث مرات في السورة.

وذكر القرطبي رحمه الله تعليلين لهذا التكرار، وحسّن أحدهما , فما هذان التعليلان؟ وما التعليل الذي حسّنـه؟ ولماذا حسّنـه؟

١-قيل: هذا تأكيد للأمر باستقبال الكعبة واهتمام بها؛ ليرى الناس الاهتمام به فيخف عليهم وتسكن نفوسهم إليه.

٢-وقيل: أراد بالأول: ولّ وجهك شطره: أي عاين الكعبة إذا صليت تلقاءها؛ ﴿ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ ﴾ معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها ﴿ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ ﴾ , ثم قال: ﴿ وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ ﴾ يعني وجوب الاستقبال في الأسفار، فكان هذا أمراً بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواضع من نواحي الأرض.

قال القرطبي رحمه الله تعالى: هذا القول أحسن من الأول؛ لأنّ فيه حمل كل آية على فائدة. وقيل: كرر لدفع طرق الاحتمال؛ فقوله تعالى أولاً بالتوجه قِبَل البيت: ﴿ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ ﴾ فيه احتمال أنّ يكون الأمر خاصاً به صلى الله عليه وسلم أو عاماً له ولأمته. وأَمْرُه بعدُ في الآية نفسها:

﴿ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ ﴾ أمرٌ يدفع احتمال خصوصه صلى الله عليه وسلم دون أمته، وحصل مع ﴿ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ ﴾ أنّ ذلك لا يختص بمكان دون مكان.

ثم أخبر ثانياً: أنّ حكم التوجه إلى القبلة هو حكم عام، يعم حالتي الإقامة والسفر.

وقوله عزّ وجلّ مثلها ثالثاً: جاء ليحصل منه التوكيد على الأرض كلها.

ذكره ابن الزبير الغرناطي في (ملاك التأويل).

لمزيد من المعلومات انظر الجواب في آية البقرة 144.

السؤال الثاني:

الآية (وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ) [البقرة:149] عطف هذه الآية حكماً على حكم قبله، حيث بدأت الآيتان بقوله تعالى: (وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ) [البقرة:149] أو ليست الآية الثانية تغني عن الآية الأولى؟

الجواب:

في هذا تنبيه إلى كل مؤمن أنّ استقبال الكعبة في الصلاة لا تهاون فيه ولو في حالة العذر كالسفر؛ لأنّ السفر مظنّة المشقة للاهتداء لجهة الكعبة، فربما توهّم شخص ما أنّ الاستقبال يسقط عنه.

السؤال الثالث:

ما دلالات هذه الآية؟

الجواب:

1ـ قوله تعالى: (وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ) أي في أسفارك وغيرها، وهذا الخطاب للرسول عليه السلام، وهو أيضاً للعموم، فالمطلوب التوجه نحو الكعبة. وهذه الآية تخلو من ذكر أهل الكتاب، ومن موقفهم من التوجه للكعبة.

2 ـ قوله تعالى: (وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ) أي أنّ هذا التوجه المأمور به هو الحق الثابت، وأكّده بإنّ واللام، لئلا يقع لأحد فيه أدنى شبهة.

3 ـ قوله تعالى: (وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ) فيه تحذير خفي من الانحراف عن هذا الحق، فالله لا يخفى عليه شيء.

4 ـ جاء في تفسير السعدي: (وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ) في أسفارك وغيرها، وهذا للعموم، (فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ)أي: جهته.

ثم خاطب الأمة عموما ًفقال: (وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ)وقال: (وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ) أكده بـ "إن "واللام، لئلا يقع لأحد فيه أدنى شبهة، ولئلا يظن أنه على سبيل التشهي لا الامتثال.

(وَمِنۡ حَيۡثُ): الواو استئنافية، والجار والمجرور ظاهرهما أنهما متعلقان بوّل، ولكن فيه إعمال ما بعد الفاء فيما قبلها وهو ممتنع، غير أنّ المعنى متوقف على هذا الظاهر، فالأَوْلى تعليقهما بفعل محذوف يفسره فوّل، أي: ولِّ وجهك من حيث خرجت.

6 ـ (فَوَلِّ): الفاء رابطة لما في (حيث) من رائحة الشرط، وولِّ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة، والجملة لا محل لها لأنها مفسرة.

والله أعلم.