ماء الحضرمي والكفار

لما ارتدَّ أهل البحرين عن الإسلام، أرسل أبو بكر الصديق العلاء بن الحضرمي لقتالهم، ودارت بينهم حروب دامت شهرًا.

وفي ذات ليلة سمع المسلمون في معسكر الكفار ضوضاء شديدة، فأرسل ابن الحضرمي عبد الله بن حذف يَتَحَسَّس الحال، فعاد وأخبره أن القوم سكارى، فاقتحم المسلمون خندقهم، ووضعوا السيوف فيهم، وغنموا جُلَّ أموالهم، ثم قصد ابن الحضرمي "دارين" لكنه يفصله عنه بحرٌ كبير، ولا قوارب بصحبته، فقام ابن الحضرمي في الجيش خطيبًا فقال:

قد أراكم الله من آياته في البر؛ لتعتبروا بها في البحر، فانهضوا إلى عدوكم، ثم دعا ربه قائلًا: اللهم اجعل لنا سبيلًا إلى عدوك!

فتقرر لديه أن يقتحم البحر بِخَيْلِه وَرَجِلِه، ثم سار متوكلًا على الله عزَّ وجلّ، فسار يومًا وليلة على الماء كأنها تراب يابس، ودعاؤهم بالمكان صادح: يا أرحم الراحمين، يا كريم يا حليم يا أحد يا صمد يا حي يا محيي الموتى يا حي يا قيوم، لا إله إلا أنت يا ربنا!

حتى اجتازوا البحر كاملًا، ولم يفقدوا شيئًا من متاعهم، ثم التقوا بالكفار فانتصروا عليهم، وأكثروا فيهم القتل، ثم غنموا حتى بلغ حظُّ الفارس ستةَ آلاف، والراجل ألفين، وفي ذلك قال عفيف بن المنذر:

ألم تـر أن الله ذلـل بحـر=وأنـزل بالكفـار إحـدى الجلائل

دعونا الذي شق البحار فجاءنا=بأعجب من فلق البحار الأوائـل.

[محمد رضا / أبو بكر الصديق ص (82)].

رسالة القصة:

ألا تلحظ أن ماء الحضرمي كان له فتحًا وآمنًا، وكان لفرعون غرقًا وخوفًا؟!، فالماء واحد، وعناصره واحدة، إلا أن الماء الأول كان أساسًا لمجدٍ إسلاميٍّ تَلِيد، أما الماء الآخر فإهلاكٌ لِنِظَامٍ فرعونيٍّ جبارٍ عنيد!