مآل الطُّغاة والمجرمين

مقدمة:

خلق الله عز وجل العباد، واقتضت حكمته أن يبتليهم بالخير والشّرّ، والإيمان والكفر، ليتلبّس فريقٌ منهم بالإيمان، ويسلكوا طريق الرّشد والهداية، ويتلبّس آخرون بالكفر، ويسيروا في طُرق الشّرّ والغواية، فدعاةٌ يدعون النّاس إلى الإيمان و الجنّة، ودعاةٌ يقذفون مَن اتّبعهم في النّار قذفًا، حيث إنّ أهل الباطل يريدون فرض باطلهم على النّاس بدافعٍ مِن شياطينهم وأهوائهم، وأهل الحقّ يحافظون على الحقّ الّذي أمر الله به، ويدعون النّاس للهدى، لينقذوهم مِن عذاب ربّهم، ولذا كان الصّراع بين الحقّ والباطل قديمًا حديثًا، متعاقبًا مع تعاقب الأمم، والسّننُ الكونيّة تشهد لذلك، فإذا ما كانت الغلبة لأهل الباطل، فإنّ دماءً غزيرةً بالباطل تُسفك، وأجسادًا بريئةً في سبيل الشّيطان وأعوانه تُمزّق، وتاريخ البشر في قديمهم دالٌّ عليه، وواقعهم في حاضرهم يثبّته ويؤيّده، ولقد كان المعارضون لدعوات الرّسل يسفكون دماء أتباع الرّسل بعد تعذيبهم وتشريدهم، لأنّه لا دِين يردعهم، ولا شريعة تضبطهم، وهذا ما حدث للمسلمين في بيت المقدس قبل قرابة ألف سنةٍ مِن الآن، عندما اجتاح الصّليبيّون بلاد الشّرق المسلم، واستولوا على ممالكه، حتّى وصلوا بيت المقدس، وفعلوا بالمسلمين ما لا يمكن لبشرٍ أن يتصوّره، ولقد نقل أخبارهم المشينة ومجازرهم البشعة أقوامٌ منهم شاركوا فيها، وفاخروا بها، حيث قال المؤرّخ الصّليبيّ فوشيه الشارتريّ: "وهرب بعض هؤلاء العرب إلى برج داود، وأغلق آخرون على أنفسهم معبد الرّبّ ومعبد سليمان، وتمّ شنّ هجومٍ وحشيٍّ على المسلمين في فناء هذين المعبدين، ولو أنّك كنت موجودًا هناك لغاصت قدماك حتّى العقبين في دماء المذبوحين..  لم نترك منهم أحدًا على قيد الحياة، ولم ينج حتّى النّساء والأطفال". [ 1 ]

وزاد إجرام الصّهاينة لتعذيب إخواننا في غزّة هذه الأيّام، بل في فلسطين منذ عشرات السّنين، وازدادت صفة الوحشيّة والإجرام في الأسابيع الماضية، والعالم يبصر هذه المذابح الرّهيبة الّتي يُباد فيها أهلنا، دون أن يحرّك ساكنًا، ولكنّ الشّيء الّذي ينبغي أن يكون حاضرًا في أذهاننا هو أنّ منهج المجرمين لا يتغيّر في تعذيب المسلمين، وما يعزّي المسلمين ويصبّرهم إلّا وعد الله جل جلاله، الّذي قطعه على نفسه بإهلاك الظّالمين، ونصر المؤمنين؛ حيث قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ * وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 13-15].

 

1- لغة الإجرام واحدةٌ

إذا تشرّبت نفس الإنسان نوازع الشّرّ أصبح مجرمًا شرّيرًا جبّارًا عنيدًا، يسفك الدّماء، ويرمّل النّساء، وييتّم الأطفال، لا يرعى حرمةً، ولا يرى لأحدٍ حقًّا، ولا تعرف الرّحمة إلى قلبه سبيلًا، يرى أنّ النّاس ما خُلقوا إلّا ليكونوا عبيدًا لأهوائه، وويلٌ للبشريّة مِن حقبةٍ يظهر فيها هؤلاء الطّغاة المتجبّرون، ولقد دُوّنت في التّاريخ أخبار كثيرةٍ عن المجرمين المتغطرسين، لتكون عظةً للمعتبرين، قال سبحانه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 4].

وتوّعد السّحرة لمّا آمنوا، قال تعالى: {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 124].

ثمّ أنجى الله بَدَن فرعون بعد إغراقه، {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس: 92].

وهذا كان ديدن الكفرة والطّغاة المجرمين مع رسل الله أجمعين، بل لقد ذكرت السّيرة النّبويّة طاغية هذه الأمّة في الصّدر الأوّل مِن الإسلام -أبا جهلٍ- لمّا علا شرّه، وازداد طغيانه، حانت ساعته فقُتل في بدرٍ شرّ قتلةٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ رضي الله عنه: انْتَهَيْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ... فَنَدَرَ سَيْفُهُ، فَأَخَذْتُهُ فَضَرَبْتُهُ بِهِ، حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، كَأَنَّمَا أُقَلُّ مِنَ الْأَرْضِ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: (آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟)، فَرَدَّدَهَا ثَلَاثًا، قَالَ: قُلْتُ: آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، قَالَ: فَخَرَجَ يَمْشِي مَعِي، حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْزَاكَ يَا عَدُوَّ اللهِ، هَذَا كَانَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ). [ 2 ]

ولقد عرف تاريخ المسلمين طغاةً اجتاحوا البلاد، وخرّبوا العمران، وسحقوا المسلمين، ولا يخفى على أحدٍ ما فعله المجرم المقبور بأهلنا في سوريّا قبل عشرات السّنين، وما يفعله ولده الطّاغية المعتوه في أهل الشّام مِن شتّى أنواع الإجرام، بل لا ننسى جرائم الطّغاة اليهود بأهلنا في فلسطين منذ عشرات السّنين، تحت مشاريع طمحوا في تحقيقها على جثث المسلمين إلى يومنا هذا على يد المجرم نتنياهو، الّذي يصبّحنا بذبح إخواننا في غزّة وبيت المقدس ويمسّينا بها -منذ أكثر مِن نصف قرنٍ مع مَن سبقه مِن الطّغاة المجرمين- لتحقيق الحلم المزعوم بأنّ القدس أرض الأجداد، وواجبٌ على الأحفاد أن يقيموا عليها مجدًا تليدًا، ولذلك يتلذّذون بتعذيب المسلمين، ويطربون لسماع صراخ الأطفال المذعورين واستغاثات الأمّهات المكلومات، ويحوّلون المدينة إلى ركامٍ فوق ساكنيها!.

 

2- عاقبة الظُّلم وخيمةٌ

إنّ مَن يتفكّر في أحوال الأمم ونهاية الدّول، وعاقبة الظّلم والظّالمين، يأخذ منها مواعظ بليغةً، وعبرًا عظيمةً، وإنّ السّعيد حقًّا مَن وُعظ بغيره، والتّاريخ البشريّ مليءٌ بالعبر والعظات، وزاخرٌ بالقصص والأحداث، الّتي أضحى الآمر فيها مأمورًا، والعزيز ذليلًا، والآمن خائفًا، وكلّها دروسٌ تستدعي فهم السّنن الرّبّانيّة، وتدبّر الآيات القرآنيّة، وتستلزم عدم الرّكون إلى الّذين ظلموا، والحذر مِن الاغترار بالجاه والسّلطان، والقوّة والمال، ولقد قصّ الله عز وجل خبر فرعون الطّاغية في القرآن، ثمّ بيّن أنّها عبرةٌ لمن يخشى؛ فقال: {فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النّازعات: 23-26].

فلقد كانت له أيّامٌ خلت، عزّ فيها سلطانه، واشتدّت سطوته، وتناهت قوّته، ثمّ انتهى كلّ ذلك في لمح البصر، وهكذا كانت -ولا تزال- سِيَر المسرفين، وعاقبة الظّالمين، وهيهات أن يستفيد منها إلّا مَن آمن بأنّ الله على كلّ شيءٍ قديرٌ، وأنّ أخذه أليمٌ شديدٌ، وهذا لكلّ أمّةٍ حادت عن الطّريق المستقيم، ورفضت شرع الله عز وجل، قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} [الطّلاق: 8-9].

وإنّنا لَنوقن يقينًا جازمًا أنّ كلّ طاغيةٍ مِن البشر، وكلّ ملكٍ متخاذلٍ مِن العرب، له يومٌ مِن أيّام الله جل جلاله، يجعله الله عبرةً وآيةً لمَن خلفه، وإنّ بيت المقدس لن يكون نهاية المطاف، بل سيكون ظلم اليهود والمتآمرين وإجرامهم سببًا لهلاكهم، وفساد ممالكهم، سواءً أدركنا ذلك أم لم ندركه، فسنّة الله ماضيةٌ في الطّغاة والظّالمين بالهلاك والعذاب، قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 137-140].

فالظّالمون -لا محالة- هالكون، وأهل الحقّ -بإذن الله- منتصرون.

 

خاتمةٌ:

لم يعد خافيًا على كلّ مسلمٍ عداوة اليهود الشّنيعة، وحقدهم الدّفين لكلّ مَن آمن بالله عز وجل، ومحاولتهم صدّه عن دِينه، واستئصاله مِن الوجود إن استطاعوا، قال سبحانه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].

ولن يهدأ لهم قرارٌ حتّى نتّبع سبيلهم فيما يحلمون، قال عز وجل: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].

وإن كنّا لسنا بنِدٍّ لهم مِن جهة السّلاح والعتاد والجيوش، فلنعلم أنّ ردّ عدوانهم عنّا وعن إخواننا لا يكون إلّا بنصرٌ مِن عند الله جل جلاله، وطريق النّصر قد سددناه بذنوبنا ومعاصينا، فلنفسح الطّريق لنصر إخوتنا -إن كنّا قد عجزنا عن نصرتهم بأنفسنا- بتوبتنا وإنابتنا إلى الله سبحانه، ودعائنا الخالص الخاشع، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا يَنْصُرُ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا بِدَعْوَتِهِمْ، وَصَلَاتِهِمْ، وَإِخْلَاصِهِمْ). [ 3 ]

وكلّنا يعلم حجم الكارثة الّتي يتعرّض لها إخواننا في غزّة، ولا يخفى على أحدٍ حجم الكرب الشّديد الّذي أصابهم، والمحنة العظيمة الّتي وقعت عليهم، فجعلت حاجتهم شديدةً إلى مَن يمدّ لهم يد العون والمساعدة، وإنّ نصرنا لهم مِن أوجب الواجبات علينا، وهو مِن صلب دِيننا وأصل شريعتنا، فقد قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللهُ عز وجل فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ). [ 4 ]

 

هوامش:

1 - غزاة بيت المقدس، ترجمة جوزيف نسيم: ص246

2 - مسند أحمد: 4246

3 - سنن النّسائيّ: 3178

4 - مسند أحمد: 16863

 

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين