ليته سكت

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهمُ=فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ

يخطئ كثير من الناس حين يحصر الإحسان الصادر من الحكام الظلمة في مال يسيل له اللعاب او جارية حسناء فيقولون: لم يستفد فلان من الاشياخ من السلطان شيئا من المال، فقد يكون الإحسان منصبا له بريق ولمعان، وقد يكون الإحسان تقديرا واحتراما وتقبيلا لليد أو الرأس، وقد يكون الإحسان مسابقة لحفظ القرآن أو مؤسسة تخدم الإسلام فيما يبدو للناس..

ينصب شيطان الإنس أحابيله ويتظاهر بالتقوى ويذرف دموع الحب للمصطفى عليه السلام والخشية من الله وما هي إلا دموع تماسيح او تأثر لحظي سرعان ما يزول ويعود الذئب إلى طبيعته والثعلب إلى ألاعيبه بعدما وقع الحمل الساذج في الشراك وأحاطت به الأغلال وانقلب الظالم الفاجر الفاسق تقيا وليا أو مصلحا مغلوبا على أمره أحيانا او صالحا حوله أعوان فاسدون، فيصير ذاك الحمل أسيرا مخدوعا وهو يظن نفسه حرا بل مؤثرا إماما متبعا..وما يزال ذاك الذئب يمده في غي الأماني ويغرقه ببحر الأوهام ويغير بمشورته بعض الأمور الهامشية أو الشخصية حتى يظن الحمل نفسه أسدا من آساد الله نجح فيما فشل فيه غيره من دعاة التغيير والإصلاح..

حتى إذا أصابت الأمة قارعة من قوارع ذلك الذئب الخبيث فضج منها كل عاقل واستعاذ بالله منها كل حر بصير تمسك ذاك الحمل بأوهامه وأصر على التمسك بأهداب أحلامه وتأول واختلق الأعذار وغالط نفسه من غير شعور.. لأنه غارق في بحار الأوهام قد أصابته الفتنة التي حذرنا منها المعصوم عليه الصلاة والسلام حين قال:( ومن أتى أبواب السلطان افتتن).

فإذا قيل له: اتق الله واصح من غفلتك فحاكمك الذي يلمع بك حذاءه قد طبع مع العدو الصهيوني الغاصب للأرض والذي قتل الرجال وذبح الأطفال والنساء وهجر الملايين ودنس حرمة المسجد الأقصى وفعل وفعل، قال بكل ثقة: لعل له عذراً وانت تلوم!!

ثم التفت إليك تلمع عينيه قائلا: ألا تعلم أن الصلح مع الأعداء من شأن ولي الأمر وهو أدرى بالمصالح والمفاسد فلا أتدخل في ذلك، وولي امري ثقة عندي خبرت حاله وأعرف صدقه، فلا تملك إلا ان تقول: يا حسرتاه كيف انقلبت الموازين في عينيك واستطاع الذئب أن يقنعك بأنه من أولياء الله؟!!

بربك أخبرني ما الذي استفادته القضية الفلسطينية من هذا التطبيع الشنيع؟! ربما تقول: وقف ضم الأراضي من الضفة الغربية كما أشاع الإعلام لستر سوءة التطبيع، فأقول لك: إياك ثم إياك أن تنسى أنه مجرد وعد شفوي لا قيمة له عند اليهود الذين عرفوا بنقض العهود والغدر بالعقود ولذلك سارع نتنياهو في اليوم الثاني وصرح بأنه مجرد وقف مؤقت فاصحوا من نومكم يا عباد الله..هو مجرد ذر للرماد في العيون فاتقوا الله...إذن هو تطبيع مجاني بدون مقابل للقضية الفلسطينية ولا وقف لأي عدوان ولا تحرير لأي شبر ولا عودة اللاجئين ولا إعادة الحقوق لأهلها...

أتدري ما معنى التطبيع؟

إنه اتفاقية تشمل التعاون الثقافي والسياحي والتجاري والاستثماري والأمني والاقتصادي والتعليمي والصحي والنفطي، إنه إقامة سلام وتطبيع للعلاقات في كل المجالات، وهذا يتضمن اعترافا بالكيان الصهيوني الغاصب للأراضي والمقدسات وتحوله إلى دولة شرعية ويتضمن الدوس بالقدم على كل عذابات الشعب الفلسطيني والتخلي عن نصرته وخذلانه في معركة التحرير وتعطيل فريضة الجهاد وهذا يقتضي تجريم جهاد الشعب الفلسطيني وتجريم التحريض على العدو الصهيوني..فلا معنى لكلامك : " لن يكون مرحبا بالمحتل بين ظهرانينا"؟! ولن يسمح لك ولي أمرك أن "تربي أبناءك وأبناء تلك الدولة على أن كل ذرة تراب من أرض فلسطين هي فلسطينية"!!

ولا يقول هذا مع سريان اتفاقية التطبيع إلا متناقض او جاهل جهلا مكعبا بمعنى التطبيع، وأقول هذا وكلي أسف وحسرة وألم.

إن دعوتك - مع هذا - لامتناع التطبيع الشعبي..وتردادك كلمة الثوريين:(التحرير آت لا محالة).. ما هو إلا دليل على أنك غارق في الأحلام قد أحاطت بك الأوهام أو تغالط نفسك وتناقضها ويرد آخر كلامك أوله وتريد أن تقول كلمة الحق ولكن يد الإحسان أغلقت فمك وأفسدت تفكيرك..

ثم أليس في هذا الامتناع الشعبي عن التطبيع خروج على ولي الأمر وعصيان له واتهام بالفساد والخيانة أو الجهل بالمصالح والمفاسد الحقيقية مع أنك تزعم وثاقته وصلاحه وتزعم أنه أعلم بالمصالح والمفاسد؟! 

حسب الاتفاقية سيتربى أبناؤك على أن هناك دولة اسمها إسرائيل ولها واقع جغرافي ويجب أن تحيا حياة طبيعية مع أخواتها فيحظر على كل مواطن تسمية الأراضي "الإسرائيلية" أراضي فلسطينية..

فحذار حذار أن يقول عاقل بعد هذا: إن هذا صلح، والصلح من صلاحيات ولي الأمر!!

فليس هذا سوى استسلام وتضييع للأمانة وسعي وراء وهم المصلحة الشخصية في تثبيت الكرسي ولو بالتحالف مع الشيطان.

والله المستعان على ما يصفون.