فضل ليلة القدر وتكريمها

ألقيتها في الجامع الكبير بحلب في نصف ليلة 27 من رمضان 1370، ونقلتها الإذاعة السورية على موجاتها إلى محطات العالم، فأسأله تعالى النفع بها والقبول لها.

الحمد لله الذي خص بعض الأيام والليالي بالبركات والنفحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أرسله الله تعالى بشيراً للناس ونوراً، وجعله مصدر الخيرات والرحمات.

وبعد أيها المسلمون الأبرار: نحتفل بهذه الليلة الكريمة من شهر رمضان المبارك، رجاءَ أن تكون ليلة القدر التي جَعَلَها الله خيراً من ألف شهر، ووَصَفها بما وصفها في آيات بينات كريمات، وقصَّ علينا سبحانه ما يكون فيها من احتفالات سماوية عُلوية، تبتهج فيها ملائكة الأرض والسماء ويشترك فيها رؤساء ذلك العالم العُلوي المنير، وتظهر فيها آيات الله تبارك وتعالى بادية مشرقة لامعة.

وقبل أن نتحدَّث عن فضل هذه الليلة وما أعَدَّ الله فيها من جزيل الثواب والنوال، نحب أن ننظر في المنقبة التي تحلَّتْ بها حتى كانت ليلة الليالي المباركات، وأفضل ساعات التجليات الكريمات الباهرات.

إنها ليلة كريمة فُضلى، أنزل الله فيها القرآن الكريم، كتابَ الحياة الخالدة، ودستورَ الدنيا والآخرة، ومنبعَ الفضائل والخير الذي تحيا به الإنسانية في هذا الوجود.

إنَّها الليلة التي انبثق فيها نور الفرقان إلى هذه الأرض، فأشرقت به جنباتها وأقطارها، وأضاءت به ظلماتها ودياجيرها، فاهتدت الإنسانيَّة بعد شقاء وضلال، واستنارت بعد ظلام وحيرة، فهي إذن ليلةُ الاحتفال السماوي الملائكي بإنزال الدستور الحق الخالد الكريم إلى الناس، وليلة الاحتفال ببدء حياة الحق والخير على وجه هذه البسيطة.

ولم يشأ الله تعالى أن يجعل موسم الاحتفال بليلة إنزال القرآنِ الدستورِ الحقّ، قاصراً على الليلة نفسها فحسب، بل فَرَضَ صوم شهرها كلِّه، وجَعَلَ ما تقدَّم عليها من الليالي مقدمةَ احتفاء واستعداد لاستقبالها، وجعل ما بعدها من ليلات مباركات وداعاً كريماً لها، وتقديراً لحلولها، وبارك الشهر كلَّه، وخصه بعبادةٍ جعلها ركناً من أركان الدين الحنيف، وكتبها على الناس أجمعين، كل ذلك تكريم لليلة التي أنزل فيها القرآن الكريم.

وقد مَهَّدَ سبحانه لفرض هذه العبادة الشاقة في هذا الشهر، مع استبقاء غيرها من العبادات، بأنها فُرِضت على مَنْ قبلنا كما فُرِضت علينا، ثم مهَّدَ تمهيداً آخر لتقَبُلِنا هذه الفريضة مع ما فيها من إرهاق، بأنها خُصَّت بالشهر الذي أُنزلَ فيه القرآنُ المُسْتَحَقُّ على العالَم أجمعَ تكريمُه وإجلاله، فقال جل شأنه في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ثم قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.

فيشير الله تعالى بهذا إلى أن حق هذا الشهر أن يُحترم احتراماً يليق بجلال الحادث العظيم الذي ظهر فيه، إنه الشهرُ الذي نَزَلَ فيه القرآنُ هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان، فحقٌّ على الناس أن يشكروا هذه المنحة الكبرى والنعمة العظمى، فيصوموا شهرها، ويقوموا ليلها، ويجودوا في أيامها بأنواع الخير الذي تعبَّدَهم الله تعالى به، وحقٌّ عليهم أن يكرموا الليلة التي نَزَلَ القرآنُ فيها، فهي ليلةُ عيد دستور الأرض والسماء، فعلى أهل الأرض جميعاً، وعلى أهل السماء جميعاً، أن يشتركوا في الاحتفاء بها والتكريم لها، فيحيوها شاكرين لله تعالى قياماً وركوعاً وسجوداً وخضوعا، قرآناً وتبتلاً وابتهالاً وخشوعا، وقد أذِنَ الله فيها لسكان السماء أن يزوروا سكان الأرض، وأن تتلاقى موجودات العالَمَيْن العُلويِّ والسُفليِّ كلُّها بهذا الفرح الحق، وهذه المِنَّة الجسيمة الخالدة، فيعُمَّ السرور الأرضَ والسموات تكريماً لهذا القرآن المنزل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ و﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.

فالملائكة ورؤساؤهم يُمْضُون ليلةَ القدر إلى مطلع الفجر هابطين صاعدين بين السماء والأرض إيذاناً بالسلام والأمان، وإحياءً لذكرى نزول الفرقان والهدى في مثلها.

ولقد حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثواب القائمين فيها بالطاعة والعبادة فقال في الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة: من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً؛ غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه. ولم يشأ الله تعالى أن يَقْصُرَ هذه الرحمة والمغفرة الواسعة على الليلة وحدها، بل جعل مِثْلَ هذه الفضيلة للشهر التي هي فيه، فقال صلى الله عليه وسلم في ذات الحديث: من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه. ويتسع الكرم الإلهي في ثواب الصوم الذي فرضه الله تكريماً لنزول القرآن في هذا الشهر المبارك، فيستثنيه الله تعالى من العمل الذي تُضاعف فيه الحسنة إلى عَشْرِ أمثالها إلى سبعمئة ضعف، ويختص وحده سبحانه بالجزاء عليه، وبمعرفة قدر مضاعفته، فيقول سبحانه في الحديث القدسي: كلُّ عَمَلِ ابن آدم له؛ الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، إنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، ولَـخُلوفُ فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك. أي تغيّرُ رائحة فم الصائم من أثر الصوم أطيب عند الله من ريح المسك.

فشهرٌ هذا شأنه، فيه ليلةٌ هذا قدرها، وأُنزِل فيه قرآنٌ هذا تكريمه، ماذا يجب على المسلمين حياله؟ يجب عليهم أن يغتنموا فيه الخير، وأن يتزودوا فيه من التقوى، وأن يتخلصوا فيه من الذنوب والآثام، وأن يُودِّعوه مملوءاً بطاعات وعبادات، مذخوراً بمبرات وخيرات، وأن يستقبلوا بعده عيد الفطر، وقد نُفِضَت عنهم الذنوب، وحُلُّوا بالمغفرة والرضوان، وانقلبوا بفضل من الله ونعمة، سخيةً أيدِيْهم على فقرائهم، كريمةً نفوسهم على البر، نقيةً قلوبهم من الشحناء والبغضاء، خاشعةً أطرافهم من أثر الطاعة، سيماهم في وجوههم من رضوان الله، مُقَدِّمين لآخرتهم كل مبرة، حافظين أنفسهم من كل إثم ومعصية، دائمين على الطاعة التي أضفى الله عليهم لباسها في هذا الشهر الكريم.

وأبرزُ المظاهر التي ينبغي أن تظهر في العيد، الصدقةُ والتوسعةُ على الأهل والأقارب والفقراء، والابتسامة المشفوعة بالمعروف والإحسان، فتنجبرُ القلوب، وتنطلقُ الألسنة داعية بالخير، وتتلاقى الأرواح صافية راضية، وتفيض الجوارح بالشكر لله تعالى، وبالشكر للمحسنين.

ومن هنا شَرَعَ الإسلام لأتباعه صَدَقةَ الفطر في هذا اليوم، لتكون أداة مواساة لفقيرهم ومُعْوِزِهم في يوم يبتسمُ فيه كل ثغر، وتبتهج فيه كل ظاهرة، وتتطلع إلى السرور فيه كل عين وفؤاد، فحقٌّ على الغني والميسور أن يذكر أخاه الضعيف، ويواسيه بما آتاه الله من فضله، ويَمُدَّ إليه يد البر والإحسان، فيكونَ من المتقين الذين مدحهم الله بقوله في سورة الذاريات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.

ومدحهم في سورة المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾، ومدحهم في سورة الدخان: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، فحذار أيها العبد المسلم أن تتخلف عن ركب المتقين، فتفوتك هذه المنح الربانية، والمواهب الإلهية.

والله تعالى يتعرف إليك في كل معروف، ويدعوك إلى التوبة والعودة إليه في كل مناسبة، ويتقدم إليك بالهدايا والعطايا رجاء أن تنيب إليه وتبتعد عما لا يرضيه. فحذار أن تقابل الإحسان بالعصيان، والمغفرة بالإساءة، والتعرف بالتنكر، ثم تزعم أنك عبد لله وتابع لرسوله، لقد غششت نفسك، وخدعت عقلك وأخطأت الطريق، وغفلت عن الجنة ونعيمها، والنارِ وعذابها، وما قصَّ الله علينا من أحوال الأبرار وما أعد لهم في الجنات من نعيم مقيم.

فيا ساهياً في غَمْرة الجهل والهوى=صريعَ الأماني عن قريب ستندمُ

أفِقْ قد دنا الوقت الذي ليس بعده=سوى جنة أو حَرِّ نارٍ تَضَّرم

ويا خاطب الجنات إن كنت راغباً=فهذا زمان المهر فهو المقدَّمُ

فصُمْ يومك الأدنى لعلك في غد=تفوز بعيد الفطر والناسُ صُوَّمُ

وجِدَّ وسارعْ في الإنابة مخلصاً=وأكثِرْ من الطاعات فاليوم موسم

وإن ضاقت الدنيا عليك بأسرها=ولم يك فيها منزلٌ لك يعلم

فحيَّ على جنات عدن فإنها=منازلك الأولى وفيها المخيم

وحيَّ على روضاتها وخيامها=وحيَّ على عيش بها ليس يُسأم

وحيَّ على يوم المزيد وموعد المحـ=بين طوبى للذي هو منهم

وحيَّ على واد هنالك أَفيحٍ=وتُربتُه من أذفَرِ المسكِ أعظم

منابرُ من نور هناك وفضة=ومن خالص العِقيان لا يتقصَّم

وكُثبانُ مِسكٍ قد جُعِلْن مقاعداً=لمن دونَ أصحابِ المنابرِ يُعْلَمُ

***

فبينا همو في عيشهم وسرورهم=وأرزاقهم تجري عليهم وتُقْسَمُ

إذا هم بنور ساطع قد بدا لهم=فقيل ارفعوا أبصاركم فإذا همو

بربهم من فوقهم وهو قائل:=سلامٌ عليكم طِبْتُمُ وسَلِمتُمُ

يقول: سلوني ما اشتهيتم فكلُّ ما=تريدون عندي: إنني أنا أرحم

فقالوا جميعاً: نحن نسألك الرضا=فأنت الذي تولي الجميل وترحم

فيعطيهمُ هذا ويُشهِد جمعَهم=عـلـيـه، تـعـالى الله فـالله أكـرم

***

فيا عجباً ما عذر من هو مؤمن=بـهـذا ولا يسـعى لـه ويُـقَـدِّمُ

ويا بائعاً هذا ببَخْسٍ مُعجَّلٍ=كأنك لا تدري؟ بلى سوف تعلم

(فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة=وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم)

لقد فاز أقوامٌ وحازوا مرابحاً=بتركهم الدنيا والاقبالِ منهم

على ربهم طول الحياة وسيرهم=على نَهْج ما قد سَنَّه فهمُ همُ

المصدر: أيها المستمع الكريم ، لفضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة

اعتنى به ابنه: محمد زاهد أبو غدة