على ضفاف القرآن الحلقة الثانية

ينفعُك في التدبُّر جدًّا ملاحظةُ مقاصد السورة.

***

عندما تقرأ القرآنَ حاولْ أن تنتقلَ إلى الشيء المُتحدَّثِ عنه وتستشعر حضورك عنده زمانًا ومكانًا وتعيش معه.

***

المنُّ الربانيُّ على أمِّ موسى بقرّةِ العين وعدمِ الحزن بعودة (موسى) إليها فيه من اللطف الإلهي ما لا يدركُه إلا مفارِق.

وقد ذكر سبحانه وتعالى هذا في موضعين:

(فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ ‌تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ) [طه: 40].

(فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ ‌تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ) [القصص: 13].

***

قولُه تعالى: (إِنَّا ‌لَا ‌نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا) [الكهف: 30] فيه ضمادٌ لجروحِ نكرانِ المعروفِ وفعلِ الجميلِ والإحسانِ، الشائعِ في الناس، فاعمل الخيرَ ولا تلتفتْ، فأجرُك عند الله لا يضيع.

***

قال تعالى مخاطبًا نبيه: (‌إِنَّكَ ‌لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ) [يس: 3-4].

ثم قال: (أَلَمۡ ‌أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ * وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ) [يس: 60-61].

فأشارَ إلى أنَّ صراطَ النبيِّ المستقيمَ هو عبادةُ الله وحده، وعدمُ الاغترار بالشيطان ووسوسته وتزيينه والسماع له.

***

خطرَ لي وأنا أقرأ سورةَ الكهف أنَّ الله عز وجل قال في أولها: (‌وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا * مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا) [2-3].

وفسّرَ سبحانه هذا الأجرَ الحسنَ في آخر السورة فقال: (إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ ‌جَنَّٰتُ ‌ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا * خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا) [107-108].

وهذا مِنْ تناسب المقاطع والمطالع.

وقد رجعتُ إلى رسالة السيوطي "مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع" فما رأيتُه ذكر هذا.

***

يا نفسُ:

هل خشيتِ يومًا أن تكوني من الذين قال الله تعالى فيهم: (أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ ‌أَن ‌يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡ) [المائدة: 41]؟

***

قال تعالى عن إبراهيم: (ٱلَّذِي ‌وَفَّىٰٓ) [النجم: 37].

مُدِحَ ابراهيمُ بأنه وفى، فللوفاءِ عند الله منزلةٌ عاليةٌ.

***

مَنْ جحدَ بآيات الله فكأنما عطلَ الطاقة التي منحه اللهُ إياها ليكتشفَ بها حقائقَ الأشياء، قال تعالى: (وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ ‌وَجَعَلۡنَا ‌لَهُمۡ سَمۡعٗا وَأَبۡصَٰرٗا وَأَفۡـِٔدَةٗ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ إِذۡ كَانُواْ يَجۡحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ) [الأحقاف: 26].

***

إنْ لم يعتصم الانسانُ بالله ويوالِ داعي الله فإنَّ الأولياء الذين يواليهم ويدخرهم للشدائد والأزمات وهمٌ: (وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ) [الأحقاف: 32].

***

قرأتُ قول الله تبارك وتعالى: (أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ ‌مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ) [الجاثية: 21] فخطر لي أنَّ هذا أصلٌ في حُسن ميتة الصالحين وجنائزهم.

***

حين أقرأ قوله تعالى: (وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ ‌وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا) [الكهف: 50] أشعرُ بخجلٍ شديدٍ مِن طاعتِنا عدوَّنا بعد تحذير الله سبحانه... وهو عتابٌ لمن غلبتْ عليه الطاعة، وتأنيبٌ لمن غلبته نفسُه.

***

قولُه تعالى: في سورة الرعد: (وَإِن مَّا ‌نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ) [الرعد: 40] يشيرُ إلى أنَّ هذه السورة مكية.

***

لمّا ذكرَ الله سبحانه وتعالى عن نفسه أنه (‌يُمۡسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ أَن تَزُولَاۚ) ختم الآية بقوله: (إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا) [فاطر: 41] والمناسبةُ في ذلك أنه لولا حلمُه وغفرانُه لأطبق السموات على الأرض، لما يرى -جل وعلا- فيها مِنْ عصيانٍ وفسوقٍ وإلحادٍ.

إننا نرى القائمين على أمور الدنيا إذا ما خُولفتْ أحكامهم غضبوا وانتقموا وعاقبوا المخالفين فورَ المخالفة.

ولكنّ حلم الله وغفرانه يشملُ الأرض، فيعفو ويعفو ويعفو، وهو اللهُ الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، وهو القادرُ على إنزال عذابه بمَن يستحقه على شكلٍ لا يستطيعُه إلا هو.

***

ظاءات القرآن:

قال الحُميدي (ت: 488) في "جذوة المُقتبس في ذكر ولاة الأندلس" (1/182) في ترجمة أبي العباس أحمد بن محمد المهدوي: "كان عالمًا بالقراءات، والأدب، متقدمًا، ذكره لي بعضُ أهل العلم بالقراءات، وأثنى عليه، وأنشدني له في ظاءات القرآن:

‌ظنتْ ‌عظيمة ظلمنا من حظها ... فظللتُ أوقظها لكاظم غيظها

وظعنتُ أنظرُ في الظلام وظله ... ظمآنَ أنتظرُ الظهور لوعظها

ظهري وظفري ثم عظمي في لظى ... لأظاهرن لحظِّها ولحفظها

لفظي شواظ أو كشمس ظهيرة ... ظفر لدى غلظ القلوب وفظها

***

الحلقة السابقة هـــنا