شمس علم وتقى تغيب مع مغيب شمس الدنيا

 
(في وفاة العالم الرباني، والفقيه المربي الشيخ وهبي غاوجي سليمان الألباني)
بقلم : خلدون عبد العزيز مخلوطة
رباه أنت الباقي فالكل يفنى وتبقى أنت الواحد القهار ، أبرزت لنا عجائب تدهش لها العقول ، وتطير لها الألباب ، لولا إيماننا بعظمتك ما كنا نصدق أن شمسا واسعة تتلألأ علما وتقىً يسعها قبر من القبور، ولولا إيماننا بقدرتك ما كنا نتخيل أن جبلا شامخا بالإيمان والنور يحل في ثنايا لحد من اللحود ، وهذا في ظاهره من المستحلات الدنيوية، ولكننا رأينا ذلك بأم أعيننا فزادنا ذلك يقيناً بعظمتك ، وإيماناً بقدرتك ، وانبهاراً ببديع خلقك، وتسليماً لقضائك .
 
 
            وقبرت وجهك وانصرفت مودعا                    بأبي وأمي وجهك المقبور
             فالناس كلهمُ لفقدك واجد                               في كل بيت رنة وزفير
            عجبا لأربع أذرع في خمسة                         في جوفها جبل أشم كبير
 
شيخنا الجليل : أي توافق عجيب هذا؟؟ !!أن يكون دخول رمسك مع مغيب الشمس التي غيبت معها جسدك المبارك، وفي ذلك إشارة بليغة فالشمس تعاود الظهور، وتطل من جديد في علوها ورونقها، وكذلك ما ورَّثته من علوم فهي مستمرة باقية، وما ربَّيْتَ من أجيال ستبقى تشع نور علمك الذي تلقته على يديك، وتستمر في نشر الخير الذي اقتبسوه من هداك، فأنت في ظهور وعلو رغم غياب شخصك .
 
          علو في الحياة وفي الممات                        بحق أنت إحدى المعجزات
 
شيخنا الجليل أبا نور الدين ، والله لقد آلمنا فراق محياك، وذرفت العيون حزنا أنها لم تعد تكتحل برؤية بهاء جمالك، وتقطعت الأفئدة لأنه توقف عنها ذاك الحنان ، وتلك الشفقة الأبوية التي كانت تتدفق مشاعر جياشة من قلبك الفياض .
 
أي مصيبة تقع على الأمة أعظم من مصابها بعلمائها الذين هم أركان الأرض كما قال الحق سبحانه : (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها)، وأي ثلمة في الإسلام أعظم من موت علمائها ، فكيف بعالم بين العلماء علم من الأعلام ، وبين المتقين نور يشع هدى وإيمان، وبين الأبرار مثـَلٌ يُقتدى في براءة وصفاء وإحسان.
 
سيدي الشيخ كم منعتني الحديث عنك في مجلسك عندما شاهدت منك مواقف رائعة أحببت أن أنوه بها ، ولكن لا تريد ذلك : لأن بغيتك أن يكون الهدف هو خدمة الإسلام وليس شخصك ، وهذا يدل على صدق طويتك ، وإخلاص سريرتك، ولكن الآن حُـقَّ لي أن أبث بعضاً من روائع شمائلك ، وألطاف أوصافك: فمع تقدم عمرك المبارك بقيت طوداً شامخاً ، وهمة وثابة في طلب العلم ونشره ، لا تعرف الكلل والملل، متعك الله بحواسك فسخرتها لخدمة الأمة، والدفاع عن قضاياها، فكنت السياج المتين، والنور المبين ، كم تطرب وتنتشي لسماع الفوائد العلمية ، دأبك التشجيع على العلم والفقه، لا تترك فرصة إلا وتوجه طلبة العلم على التعليم والإرشاد ، وهذا دأبك فكنت المثل الأروع للاستمرار في الدعوة إلى الله على بصيرة حتى آخر لحظات حياتك، وعندما تسمع مقولات للصالحين ومواقف للعلماء الربانيين تتأثر تأثراً بليغاً، لا أنسى وأنا أمشي معك في ربوع مدينة الحبيب صلى الله عليه وسلم ونحن في طريقنا إلى مسجد قباء، وذكرت لك رؤيا مباركة للعارف الرباني الشيخ محمود الشقفة رحمه الله تهللت أسارير وجهك ، ثم تقول بالله أعدها علي فأعيدها فأرى لحظات من الصفاء والسكينة تغشى نفسك المباركة، كم رأيتك في لذة ومتعة ، واستغراق وأنت تسمع مدح الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى لو كان من منشد لم يتمتع بالصوت الرخيم ، ولكن تتواجد وتطرب لأنك تغوص على المعاني التي توصل قلبك بقرة العيون ، وتفرح بكل ما يذكرك به وبأوصافه وشمائله، فهمُّـك الحقائق والمعارف دون الأشكال والزخارف.
 
ودَّعتك وأنت على المغتسل وإذا بالأنوار تتلألأ من وجهك الأزهر، وإذا بالبراءة الصافية تغمر محياك، وزاد على ذلك شهادة التوحيد واضحة على بنانك، تعلن للورى بحسن خاتمتك.
 
هناك حقوق وواجبات منوطة بالأمة تجاه فقد علمائها فلا تكتفي بالبكاء والحزن والرثاء،  ولكن واجبنا الترحم عليهم ، وذكر مآثرهم كما قال القاضي عياض رحمه الله عن بعض مشايخه : ( ما لكم تأخذون العلم عنا وتستفيدون منا ، ثم تذكروننا فلا تترحمون علينا )، وبالإضافة إلى إحياء فضائلهم ، وذكرهم بالخير ، واقتفاء أثرهم، والسير على منهجهم في  العلم والدعوة إلى الله ، وتسطير سيرتهم وأحوالهم كما قال الحافظ السخاوي : ( من ورخ مؤمناً فكأنما أحياه ) .
 
رحمك الله شيخنا الجليل رحمة واسعة، وأعظم مثوبتك ، وجزاك عن أمة الإسلام والمسلمين أفضل جزاء العلماء العاملين، والدعاة المهتدين، ورفعك مع الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، وجمعنا بك في مستقر رحمته، وتحت لواء سيد المرسلين، وأخلف الله هذه الأمة خيراً.