سحائب المنن الإلهية

1-محبة في قلوب الخلق:

قال ابن عباس: " إنَّ لِلْحَسَنَةِ نورًا في القلب، وضياءً في الوجه، وسعةً في الرزق، وَقُوَّةً في البدن، ومحبةً في قلوبِ الخلق "، وقال أحد السلف: مَنْ كَثُرَتْ صلاتُه باللَّيْل حسُنَ وجهُهُ بالنَّهَار!

ويعلم الله تعالى كم تهوى القلوب أناسًا؛ لما تظنه من جودة سريرتهم، وإن لم تَرَهم، فحسنات السرِّ تُسَربِلُ صاحبها بأنوار الطاعة، وجلال المناجاة والضراعة؛ بل إن الجوارح تتبع القلب في فرحته، فيظهر النور والإشراق على الوجه إعلانًا لبهجته، وقد يكون الإنسان مغمورًا لا يُعْرَفُ، فإذا رآه العباد أحبوه لنورٍ بوجهه لا يُوصَف!

قال الإمام البخاري: لما دخلتُ البصرة صرتُ إلى مجلس محمد بن بشار، فلما خرج وقع بصره عليَّ، فقال: من أين الفتى؟ قلت: من أهل بُخارى، قال: كيف تركت أبا عبد الله البخاري؟!، فسَكَتُّ، فقال له أصحابه: رحمك الله، هو أبو عبد الله! فقام فأخذ بيدي، وعانقني، وقال: مرحبًا بمن أفتخرُ به منذ سنين! الخطيب البغدادي / تاريخ بغداد (2/17).

فقد أظهره الله للعلماء، وكان يظن نفسه مغموراً عندهم.

2-رفعة في الحياة الدنيا:

لما فَرَّ أهل السرِّ الناصع من الصدارة، أكرمهم الله بالسيادة والإمارة، وقديمًا قالوا:

من لم تكن له بدايةٌ مُحرقة، لم تكن له نهايةٌ مُشرقة!

أما من شان سِرَّه، وزان جهره؛ فقد يناله من السلطنة نصيبٌ، ومن التَصَدُّرِ حظٌ، إلا أنه يخضع لسنة الاستدارج، فإذا هتك الله كلَّ عيوبه عندها يسقط من أعين الخلق، كما سقط من عين الحق سبحانه، فيهرع حينها لكأس الندامة؛ إلا أنه لا يرتوي أبدًا، وأنَّى له أن يرتوي، ولاتَ ساعةَ مندمٍ..

وإليك هذا الشاهد:

لما أفضتِ الخلافة إلى عُمَر بن عبد العزيز [ت:101 هـ] جاء خالد بن الريان رئيسُ حرس الوليد وعبد الملك، ليقود حرس الخليفة الجديد، خاصة وأن قرابةً تربطه به، إلا أن عمرَ علم أن خالدًا كان يسرف في سفك الدماء، ويأتمر بأوامر الخلفاء حَقِّها وباطِلِهَا، فنظر إليه، وقال: ضَعْ هذا السيف عنك! اللهم إني قد وضعت خالد بن الريان، فلا ترفعه اللهم أبدًا، ثم نظر عمر في وجوه الحرس، فدعا عَمْرو بن المهاجر الأنصاريَّ، فقَال: والله إنك لتعلم يا عَمْرو أنه ما بيني وبينك قرابةٌ إلاَّ الإسلام، ولكني سمعتك تكثر تلاوة القرآن، وقد رأيتك تصلي في موضع تظن أن لا يراك أحد، وكنت تحسن الصلاة، خُذْ هذا السيف قد وليتك حرسي! [علي الصلابي / عمر بن عبد العزيز (3/324)].

ولعل سائلًا يسأل: ما علاقة تلاوة القرآن والصلاة بالحراسة؟ أجاب الدكتور يونس الأسطل بقوله: إن المؤمنين حقًا يتلون آيات الله آناء الليل وآناء النهار، فيزدادون بها إيمانًا، فلا يظلمون الناس؛ ذلك أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، لا سيما لمن أخفاها، فلا يجور ولا يحابي، فهذا سر اختياره.

أما خالد بن الريان، فقد قال نوفل بن الفرات: ما رأيت شريفًا خُمِدَ ذِكْرُهُ مثله حتى لا يُذكر قط، بل إن الناس يقولون: ما فعل خالد؟! أَحَيٌّ هو أو قد مات. [يعقوب البسوي / المعرفة والتاريخ (1/604)]

وانظر الآن إلى رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية يكون ذكره في كل نشرة أخبار، فإذا انتهت ولايته فلا يسمع به أحد!

فطوبى لأهل السر، ريادةً في الدنيا، وراحةً يوم القيامة، وقد أرشدك شعيب بن حرب لِتُحفَةٍ بهية، فيها بشارة ونذارة، فقال: " من طلب الرياسة ناطحته الكباش، ومن رضي أن يكون ذنبًا أبى الله إلا أن يجعله رأسًا "! [معتز عبد الفتاح / مختصر صفة الصفوة (1/179)].

3-من شهد له أربعة؛ بل اثنان بخير أدخله الله الجنة:

أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي الأسود رضي الله عنه قال: قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَقُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم " أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ،قَالَ: وَثَلَاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ، قَالَ: وَاثْنَانِ، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ الْوَاحِدِ " [صحيح البخاري، رقم الحديث: (1368)، (1/300)].

سؤالٌ وجيه: كيف يشهد الناس لمن عمل الصالحات بالسر والناس نيام؟!.

الإجابة: إن الله عزَّ وجلّ ينقل للناس ما كان من سِرِّهِ، كما ثبت في مواضعَ لا تُحصى كثرةً، سُقْتُ إليك طرفًا منها، أما إن اجتاح الشكُّ قلبك، فاقرأ في ذلك قرآنًا بالحقِّ نزل: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [ التوبة 105]!

رسالة الآية:

إن الله عزَّ وجلّ أحسن الجزاء الدنيوي لمن عمل الصالحات، فأرى المؤمنين عمله، وجعله فيهم صاحب نورٍ وبصيرة، وإن ذُكِرَ فسيرته أطيب سيرة، وسريرته أحسن سريرة، فهنيئًا لمن فَقِهَ عن الله تعالى آياتِهِ وسُنَنَه!

4-لك مغفرة وأجر كبير:

قال تعالى{إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [سورة الملك 10]

رسالة الآية:

إلى من خشي ربَّه في السر، غائبًا عن البشر، فَبَشِّرْهُ بمغفرةٍ وأجر كبير.

وإن سألت عن حقيقة الأجر، أَجَبْتُكَ بأن هذا سِرٌّ؛ فإن لله ذخائرَ من عباده، خَصَّهم بفضله، أُسجل لك أُنموذجًا عنهم، قال الله عزَّ وجلّ: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [ السجدة 17،16]

غاص ابن القيم في أعماق الآية، فأخرج لنا لؤلوةً علميةً تسر القارئين، جاء فيها:

" تأمل كيف قابل ما أخفوه من قيام الليل بالجزاء الذي أخفاه لهم مما لا تعلمه نَفْسٌ، وكيف قابل قلقهم وخوفهم واضطرابهم عن مضاجعهم حين يقومون إلى صلاة الليل بقرة الأعين في الجنة؟! [ابن القيم / حادي الأرواح ص (191)].

أخي:

إذا استوى سِرُّكَ وجهرك فهذه أمارةُ الإيمان، وَمَنْ فاق سِرُّهُ جَهْرَه نال رتبة الإحسان، أما من كان جهره أفضلَ من سِرِّه فهذا إيمانه فاتر، وإحسانه قاصر، وإن قَدَّمَهُ الناس فهو في الأواخر، فَالْحَقْ أُخَيَّ بالقافلة، وبادر بادر..

أخي:

ألا تسعى في طيبة سيرتك، وجودة سريرتك؟! بأهل السرِّ تصلح الديار، وتعمر الأمصار، هم من يحفظ الشريعة، ويتحفنا بالأمجاد البديعة، فهم عِزُّ الدين، وصفوة الموحدين، وَمَن تَعْقِدُ الأمة أملًا كريمًا بعد الله عليهم، والأنامل تَتَّجِهُ إليهِم، فَهَل أَنتَ منهُم؟!