رمضان بين الجد والهزل

 

لا يخفى على مسلم حصيف أن صوم رمضان من الفرائض التي أوجبها الله على كل مسلم بالغ عاقل قادر، وهي بالمناسبة عبادة وفريضة قديمة لا تختص بالمسلمين وحدهم. قال عز وجل: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" [البقرة:183].

وقد كان سر ومقصد هذه العبادة الجليلة النفع، والعظيمة القدر هو تحصيل تزكية النفس عن طريق تحصيل التقوى، التي هي سعادة المرء وفلاحه في الدنيا والآخرة. وحينما تحصل التقوى حقيقة وتترسخ في الفرد والمجتمع تنصلح أحوالهما، وتسمو فضائلهما، إذ تحمل هذه التقوى على فعل ما ينبغي فعله، واجتناب ما يلزم اجتنابه، وذلك من قوة الوازع الديني والباعث النفسي، الصادر عن خوف الله تعالى، واستشعار رقابته، واستحضار جلال هيبته وقوته وعظيم رحمته ولطفه إلى غير ذلك من صفات الجلال والجمال والأسماء الحسنى والصفات العلى التي هي لله وحده لا شريك له فيها البتة.

إذن فالتحقق بالتقوى امتثالا واجتنابا وتخلقا هو القصد الأصلي من وراء إيجاب صوم رمضان، وقد جنح كثير من العلماء إلى أن القصد من صوم رمضان ارتياض النفس بكبح الشهوات، وإلجامها عن الاسترسال وراء الملذات، والانغماس في الموبقات، وهذا كله صدر عنهم تفسيرا لمعنى التقوى.

لأجل ذلك وجب على كل مسلم أن يسأل نفسه هل حقق هذا المقصد في نفسه من بداية رمضان إلى نهايته في خط تصاعدي، أعني أن تكون تقواه في تصاعد وفي تزايد وفي رفعة وعلو، أم أن التقوى لم تجد لها مكانا في نفسه، فأبقى نفسه على ما كانت عليه.

على أن هذه التقوى لا نحتاجها فقط في المساجد فنطأطأ بها رؤوسنا، وإنما نحتاجها أكثر حينما نواجه الحياة، فندخل في دهاليزها ودواليبها. يحتاجها الحاكم في إقامة العدل بين الناس، برفع الظلم عنهم، وتحقيق كرامتهم وحريتهم، وصون حقوقهم، والانتصاف لهم، والسعي في تحصيل مصالحهم. فالحاكم الذي لا يتق الله فأنى له أن يفعل هذا كله، أو أن يفكر فيه، وإذا ما وقع منه ذلك، لم يكن سوى خشية ارتجاج شعبي، لا عن قناعة وتقوى. ولا داعي أن يدندن بعض حكام المسلمين رؤوسهم بركيعات التراويح خفيفات، وهم غارقون في الظلم والفساد والعدوان، ونهب خيرات البلاد والقضاء على حقوق الإنسان، فلا شك أن مثل هذه الأعمال لا تصدر عن قلب تمكنت التقوى منه، وهيمنت الخشية عليه. إن الأمة في حاجة ضرورية إلى حكام يتقون الله ويسعون إلى رضاه، ويتفانون في خدمة أمتهم، والذود عن حياضها، والدفاع عن مكتسباتها، فكلما كانوا على هذه الحال إلا وكانوا أقوياء حقيقة، إذ يستمدون هذه القوة من رضا الله تعالى أولا، فيفتح لهم قلوب العباد، ولكن مع الأسف فالأمة اليوم لا تجد فيها من هو راض عن حكامها، وحتى لو خدموهم في الظاهر، فقلوبهم منكرة لتصرفاتهم، متبرمة من أفعالهم. والحاكم الذي لا يخشى الله تعالى ولا يتقه، فإنه يذله بأعداء الأمة، وهذا هو الواقع اليوم، إذن فعزة الحاكم من عزة الشعب، وعزتهما من عزة الشريعة ونصرتها وخدمتها، قال تعالى: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون." (النور:55). فهذا وعد من الله، لا يخلف الله الميعاد، وهو وعد مشروط بالإيمان، الذي هو منطلق أي إصلاح، وثمرته العمل الصالح، فجميع شؤون الدولة المسلمة، ونظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي وغير ذلك، ينبغي أن يتسم بالصلاح، لأنه عربون رسوخ الإيمان، والعكس بالعكس، فالصلاح يبتدأ بصلاح العقيدة أو الفكر ثم يترجم بصلاح السلوك. ومشروط بالعبادة المطلقة لله تعالى في كافة شؤون الحياة، لا كمن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ولا كمن يؤمنون ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، ولا كمن يمزجون الشريعة بالقوانين الوضعية المخالفة لها ولمقاصدها وكلياتها، فهذه العلمانية الممقوتة الفاصلة للدين عن شؤون الحياة لا مكانة لها في الإسلام، والخروج عن هذا الصراط المستقيم الذي ارتضاه رب العالمين لعباده المتقين، يعد فسقا قد يخرج صاحبه من الملة، وذلك بحسب عظم الفسق، ووقوعه. 

ويحتاجها الفرد في امتثال ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في نفسه وأهله ومجتمعه، وفي الابتعاد عن مواطن السوء والشبه. كما يحتاجها –أيضا- في تحصيل ما ينفعه في دينه ودنياه.

ويحتاجها المجتمع برمته بإقامة شرع الله تعالى امتثالا واجتنابا، وتعاونا على فعل الخيرات وترك المنكرات، وإقامة المصالح النافعة والمفيدة، والاختيارات المجتمعية والسياسية السديدة والصائبة. فعلى أي أساس نبني خريطة المجتمع المستقبلية إن لم تكن على تقوى الله تعالى، وعلى هدى من الله عز وجل.

إذن فالتقوى ليست فكرة نتسلى بها، أو لفظا نلوك به ألسنتنا، فنقيم به الدروس والمواعظ، وإنما هي تجليات من استشعار مهابة الله تعالى، وإدراك جلاله وعظمته وسطوته ولطفه ورحمته وقهره وجبروته وعزته. فلن تستقيم الحياة، ولن تبنى حضارة إنسانية حقيقية، تعلي من شأن الإنسان وتحقق كرامته ما لم تكن هناك تقوى، ولا تقوى بدون رجوع حقيقي، وأوبة صادقة لشرع الله تعالى.

لأجل ذلك ينبغي علينا جميعا حكاما ومحكومين، كبارا وصغارا أن نعمل جادين على تحقيق مقام التقوى والتحقق به، فهو من منازل (إياك نعبد وإياك نستعين)، مستغلين نفحات رمضان وأجوائه الطيبة الممتعة، مشمرين عن ساعد الجد للتزود منه وخير الزاد التقوى. قال تعالى: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب." [البقرة:197].

فمن الجِد أن لا تدع أيام رمضان تنفلت منك، دون أن تشغل فيها نفسك بعمل الخير والصلاح. وإنه مما يؤسف له أن بعض الناس يشغل نفسه بما لا ينفع، من تتبع الأفلام والمسلسلات السخيفة، و"السكيتشات" الساقطة، وضياع الوقت في تتبع شهوات النفس بالتفاني في الشراء والاقتناء، فكلما اشتهى اشترى.

فلا ينبغي للمرء أن يشغل نفسه بهذا السلوك، فصوم رمضان إنما فرض لبناء النفس الإنسانية على تقوى الله تعالى، وليس أن يلهث الإنسان وراء الأسواق والملذات والسهر مع الأفلام وهلم جرا مما لا ينفع.

وإنه لمن العار في دولة مسلمة، المفروض فيها أن تعين الناس على فعل الخيرات، وتحملهم على تقوى الله تعالى، فإذا بها تهيئهم قبل شهر رمضان وطيلة أيامه من بعد، وخاصة عند تناول فطورهم، للفرجة في المسرحيات الهزلية التافهة، والأفلام الساقطة، والفكاهات المنحطة. وهذا يذكرنا بأيام خلت من قبل من القرن الماضي، إبان الثمانينات حيث الغناء والرقص والملاهي الليلية في شوارع الرباط وضواحيها، التي لا تراعي حرمة هذا الشهر الفضيل، ويستمر اليوم هذا الهزل والهراء بطرق أخرى، وكأن ذلك، مما لا ريب فيه، سياسة ممنهجة ومتبعة موروثة لشياطين الإنس في الإغواء والتضليل لصد الناس عن صراط الله، فليس من السياسة الرشيدة والحكيمة لدولتنا الموقرة أن تروج للباطل والسخافات، التي تهدم بها القيم الدينية السمحة، والثوابت الأصيلة، والعادات الطيبة خاصة في شهر التوبة والغفران، والرضى والرضوان.

إن ما نعانيه اليوم على جميع الأصعدة، (تربوية تعليمة، أخلاقية، اقتصادية، اجتماعية، سياسية...) فكل أسبابه الحقيقية والأصلية غياب تقوى الله تعالى، قال تعالى: "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ." [الأعراف:96].

وختاما علينا أن نحتاط أشد الاحتياط، ونخشى كثيرا من أن نضيع مغفرة الله تعالى ورضوانه في هذا الشهر المبارك، فعَن سِمَاك عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرة، رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ صَعِدَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم الْمِنْبَرَ فَقَالَ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ فَلَمَّا نَزَلَ سُئِلَ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ قُلْ: آمِينَ قُلْتُ: آمِينَ..." رواه ابن حبان

وعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رواه البخاري.