رسائل قرآنية في إصلاح العقل (9)

{وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} (الأعراف:!54).

منذ أيام ولا تكفّ هذه الآية عن فعلها الهادر في قلبي، لا لأجل سبكها البياني الآسر الذي أخذ بتلابيبه فحسب، ولكنْ لأجل أنها حوتْ من المعاني العظيمة في إصلاح العقل ما يتطامنُ له القلبُ رقّةً وخشوعًا.

ولقد كنتُ أستعرض وأنا أقرأ الآية ما أسمّيه "سيرة الغضب" في حياتي الشخصية، وكيف كان الغضب في جميع أحواله – إلا أن يكون لله – شؤمًا وأذى وتعبًا ورهقًا، وكيف يغمر في عاصفته الهائجة بقايا العقلِ في قلبي، فيشلّه للحظات عن الصواب، ثم يتركه حين يصحو بعد العاصفة حزينًا آسفا على ما بدر منه، لا يفهم كيف قال كذا وكيف فعل كذا..

إنّ القرآن، وهو الخطاب المجمَل الكثيف من الله العليّ الحكيم، لا يجلب لنا هذا المشهد من حياة نبيّ الله موسى عليه السلام ليؤرّخ حدثًا فحسب، ولكنه يحمل لنا رسالة عن تعطيل الغضب لمسالك الهدى والرشاد، فحتى النبي المعصوم الموحى إليه لا يجتمع له الغضب والهدى في آنٍ معًا، إذ لا بدّ أن "يسكتَ" الغضب أولا. لا بدّ أن تمرّ عاصفته بسلام. لا بد أن ينقشع برقعه الغليظ الذي يحجب النور عن العقل لتنثال هدايات الوحي من نسخة الألواح كما ينثال خيطُ الصبح من وراء العتمة فيجلو سوادها بنوره الذي تظهر فيه الأشياء.

وفي مقابل الغضب جاء "الهدى" وجاءت "الرحمة". والرحمة لا تأتي إلا بهدى، ومنها نبدأ تراتيل الهداية التي نقرؤها كل يوم مرات عديدة في سورة الفاتحة، فالرحمة والهداية متلازمتان، ومن الرحمة انتقلتْ نسخة الهدى من الألواح المتكسّرة إلى الألواح الجديدة الناصعة، ومن الرحمة ينقل الله القلوب المتكسّرة بالغضب إلى حالة جديدة يلمّ فيها شعثها بعد أن عالجها بالندم والسكينة، ودملَ جراحها بالذكر والتوبة. من الرحمة يأتي كل خير، وبالرحمة ينمو عقل الإنسان ويشفّ ويزكو.

إنّ القرآن لا يقتصر على توجيهات فكرية ومهارات ذهنية لإصلاح عقل الإنسان. لا يقدّم له قواعد التفكير ليبني له عقله من جديد، ولكنّه علمه الأسماء والبيان والقدرة على التمييز بين الأشياء، ثم أودع بين جنبيه هذه النفس الأمّارة بالسوء، وهذه الشهوات المتلاطمة ليصحّ الابتلاء، وأمره بتزكيتها وتهذيبها. وكلّما اشتد عزم الإنسان مستضيئا بنور الله، وقوي اتصاله بخالقه وهداياته، وصلبتْ إرادة الهدى في قلبه؛ كان أقدر على تقطيع حبال الهوى، عدوّ العقل الأول، وكان تفكيره من ثمّ أرشد وأجدى وأهدى سبيلا.

إنّ الذي يحتاجه الإنسان في دنياه ليس أن يكتشف له أحد كيف يفكّر ويضع له خارطة شاملة لطرائق التفكير الصحيحة كي يتبعها ويعرف الحقّ، فحين تأتي عواصف الهوى تتمزّق تلك الخرائط وتتكسّر الأقلام، ولكن ينجو من امتلك قلبًا قويّا بالله كابحًا للهوى، فحينئذٍ يفكّر الإنسان بسكينة ورحمة، ويحتمل قلبه الحق والصواب، ويكون أقرب إلى الهدى بما أعطاه الله وأكرمه وحباه.