رسائل قرآنية في إصلاح العقل (8)

{وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (إبراهيم: 25).

تُجسّد أمثال القرآن ذروة الإصلاح العقلي الذي تمارسه آياتُه في المتلقّين. ومن الشائع – مع الأسف - أن توضع أمثالُ القرآن في باب الأساليب الأدبية الرفيعة والبلاغة العالية فحسب، وألا يُتطرّق إليها في باب إصلاح العقول وتقويم الأذهان. وهذا ناشئ من الفصل التاريخي الزائف بين "العقل" و"الوجدان"، تأثّرا بالثقافة الإغريقية على وجه الخصوص، فقد تضيّق مفهومُ العقل حتى غدا أشبه ما يكون بالعمليات الرياضيّة المحضة، فإذا ظهر الطابع الأدبيّ المؤثّر في الوجدان شطب بعض القرّاء الجوانب العقلية والفكرية من حسبانهم!

والآية تدلّ دلالة واضحة على أنّ هذه الأمثال هدفها الأول إصلاح عقلي؛ فقد ضرب الله الأمثال للناس {لعلّهم يتذكّرون}، والتذكُّر نشاط عقلي تترافق فيه الذاكرة الدماغية مع التأثر الوجداني الدافع للأوبة إلى الرشد. هكذا بكل سلاسة ويُسر، ينجدل العقلُ بالوجدان في أساليب القرآن. ويقول الله تعالى: {وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ} (العنكبوت: 43). وهي صريحة في أنّ هذه الأمثال ضربها الله للناس ليعقلوها، بل لا يعقلها {إلا العالمون}!

ولعلّ سبب ذلك أنّ الأمثال القرآنية تنطوي على مشترك معنوي بين عالَمَين: عالَم غيبي يدور حول الإيمان والمعنى والقيمة، وعالم مادي يتكشّف للإنسان بوقائعه من خلال الحسّ، ومن يدرك هذا المشترَك ويعتمل في قلبه هو "العالِم"، فهي مهارة عالية تحتاج إلى تخليص القلب من شوائب الجهل والهوى والغفلة، لمشاهدة الفروق والمشتركات بين الأشياء والتأثّر بها، وهي من أعظم عمليات العقل وأنفعها للإنسان.

وقد تنبّه الحكيم الترمذي إلى هذه القيمة العقلية للأمثال، وما تفعله من شحذ العقول وتنميتها، فأفرد لها كتاب "الأمثال" الذي تناول فيه بعض الأمثال القرآنية والنبوية وغيرها، وقال في مقدمته: "فالأمثال نموذجات الحكمة لِما غاب عن الأسماع والأبصار؛ لتهدي النفوسَ بما أدركتْ عيانًا". وقال: "فمن تدبير الله لعباده أنْ ضربَ لهم الأمثال من أنفسهم لحاجتهم إليها؛ ليعقلوا بها فيدركوا ما غاب عن أبصارهم وأسماعهم الظاهرة، فمن عقل الأمثال سمّاه الله تعالى في كتابه عالمًا". أما ابن تيمية فقد ذكر في كتاب "الردّ على المنطقيين" أنّ المقصود بالميزان المذكور في القرآن: "الأمثال المضروبة والأقيسة العقلية التي تجمع بين المتماثلات وتفرّق بين المختلفات". وقال إنّ "الله تعالى بيّن في كتابه من الأمثال المضروبة والمقاييس العقلية ما يُعرف به الحقّ والباطل".

يقول سبحانه: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} (الزمر: 27). والإكثار من هذه الأمثال في القرآن هو عطفُ المولى عزّ وجلّ على الآدميين ليدفعهم بها إلى تذكّر حقيقتهم وغاية وجودهم، ليؤوبوا إلى حياض الإيمان وكنف الله ومأمنه.

إنّ رسالة الأمثال القرآنية العليا أن تخبر الإنسان بأنّ هذه الحقائق الغيبية واقعة كما أنّ هذه النماذج التي تمثّل بها الآيات من الطبيعة والحياة الإنسانية واقعة كذلك، وأنّ الإنسان العالِم هو الذي يمتلك من الحساسية العقلية ما يمكّنه من القيام بهذه النّقلة من المحسوسات إلى الغيبيات.. إنّها القفزة التي تحقّق للإنسان إنسانيّته، فهي قفزة إلى "نفخة الروح" الأولى وحنين القلب إلى بُدوّه ومنتهاه!