رسائل قرآنية في إصلاح العقل (7)

{قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (الأنعام:!1).

هذه الآية وأمثالها في القرآن هي البوصلة التي تجعل من "التاريخ" أحد روافد الخبرة الإنسانية وأحد مصادر إصلاح العقل. فهي وإن كانت تتحدّث عن تجارب المكذّبين للرسالات وما جرى لهم من عاقبة، ولكنّها ترشد إلى نوع مهم من التفكير يقوّم عقل الإنسان ويجعل اختياراته في الحياة أكثر كفاءة.

تبدأ الآية بالحركة، فالنظر في التاريخ ليس نظرًا أكاديميّا باردًا، بل يتم خلال "السير في الأرض"، وسواء كان المقصود سير الأسفار أو التفكّر للاعتبار، فإنّ للتعبير بلفظ "السير" دلالة مهمّة جدّا، فهي تقتلع الإنسان من الجمود على لحظته الحاضرة والانكفاء على مألوفاته، لتكشف أمامه تجارب السابقين ومآلاتها، تماما كما تُسفِر الأسفارُ عن كلّ جديد من الأمم والتجارب والبلدان، فتزيد المرء خبرة وتُعلّمه ما ينفعه.

إنّ المعرفة النافعة هي التي تبدأ من حيث انتهى الآخرون، وهذا المنهج سارٍ على جميع المعارف الإنسانية، وليس على المعرفة الدينية فحسب، فالمنهج الذي ترشدنا إليه الآية لا ينطبق على الاعتبار بمآلات المكذّبين فحسب كي لا نقع بمثل ما وقعوا فيه، بل ينطبق أيضًا على مآلات التجارب البشرية جميعها ونتائجها، والعلم الذي يتجاهل نتائج المسارات السابقة ويحاول أن يبدأ من جديد أو ينكفئ على مرحلة من المراحل ليس علمًا جديرًا بالاحترام.

إنّ طالب العلم المسلم منفتح متحرّك موّار، يسير وينظر ويتفكّر ويتدبّر ويعتبر، ولا يتقوقع على قوالب من العلوم يتوارثها عن سابقيه بغير مراجعة، وإلا صارت هذه العلوم تقاليد يتعصّب لها، فتغدو قيودًا تكبّل انطلاقه، وأغلالًا تعيق تفكيره، فلا تحمل له الفوائد كما يليق بالعلم.

إنّ الآية ترشدنا إلى التفكير بالجدوى على ضوء تجارب الآخرين ونتائجها، جدوى مساراتنا في الدنيا والآخرة، فلا نستمرّ فيها لمجرّد أنّنا وجدنا أنفسنا فيها أو لأنّها كانت اختيارنا الأول!

وقد عرّف أهل المنطق علمَهم بأنّه "آلة قانونية تعصم مراعاتُها الذهنَ عن الخطأ في الفكر"، وزعموا أيضًا أنه يميّز بين الحقّ والباطل، فإذا تجارب التاريخ الطويل من تدريسه لا تشي بشيء من ذلك، بل تنبئ عن خبط وجزاف وتخليط. فلم نجد مراجعة لهذه الأوصاف التي لم تحقّق مصداقها في الواقع، بل وجدنا إصرارًا عليها وعلى تدريس هذا العلم، رغم أنّ درس التاريخ الطويل يخبرنا بأنّه لا توجد علاقة بين تمييز الحقّ من الباطل وبين دراسة المنطق، فلطالما كان دارسو المنطق من مختلف الأديان والفرق المتشاحنة، بل وُظّف المنطق في الدفاع عن عقائد اعتنقها هؤلاء مسبقًا وصبّوها في قوالب المنطق للمنافحة عنها!

إنّ تعطيل منطقة الاعتبار بمآلات تجارب السابقين في الفكر الإنساني فعلٌ كارثيّ، سواء كانت تجارب آبائنا أو تجارب الأمم الأخرى. ولهذا وجدنا القرآن يُكثر من الحثّ على الاعتبار بالتاريخ، وراجعوا الآيات التي تُذكّرنا بالعواقب كيف كانت، فقد بيّن لنا الحقُّ سبحانه عواقب المكذّبين والمجرمين والمفسدين والظالمين كي لا نقع بمثل هذه الأوصاف التي لحقت بهم جرّاء ما عملوا، ولنستقيم بعد أخذ العبرة على طريق الحقّ والصدق والعدل.