رسائل قرآنية في إصلاح العقل (6)

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا} (الإسراء: 85).

يقرّر القرآن في هذه الآية أنّ للعلم الإنساني حدودًا ينبغي الوقوف عندها، وأنّ ثمّة أشياء لا يمكن معرفة حقيقتها، لا بحدّ مركّب من الجنس والفصل كما هو حال الحدّ الأرسطي ولا بغيره؛ إذ ماهيّة هذه الأشياء محجوبة عن البشر، بل إنّ هذه المعرفة غير ضروريّة للإنسان، فهي ليستْ من العلم الذي ينفع الإنسان.

ولقد تدبّرتُ الآيات التي تبدأ بقوله تعالى: {ويسألونك} أو {يسألونك}، فوجدتُها – باستثناء سؤالين - تسأل عن "أفعال" لا عن "ماهيّات"، فقد جاء السؤال: عن الخمر والميسر لمعرفة حكمها، وعن الإنفاق، وعن اليتامى لمعرفة كيفية معاملتهم، وعن المَحيض فأخبرهم بأنّه "أذى" وبيّن العلم النافع فيه وهو اعتزال النساء، وعن ذي القرنين فأخبرهم بسيرته لأخذ العبَر منها، وعن الجبال فأخبرهم كيف ينسفها ليبيّن لهم عظيم قدرته وهوان هذا العالَم وفناءه، وعن الأهلّة فأخبرهم بنفعها العملي باعتبارها مواقيت، وعن الشهر الحرام فأخبرهم بحكم القتال فيه، وعمّا أُحِلّ لهم، وعن حُكم الأنفال.. في جميع هذه الأسئلة والأجوبة كان السؤال عن شيء في متناول البشر، وعن معرفة حين يحصّلها الإنسان يبني عليها عملًا متعلّقا بدنياه وآخرته.

وكأنّ الله عزّ وجلّ أراد في كتابه تخليد هذه الأسئلة "العملية" ليخبرنا بأنّها الأسئلة الجديرة، أما السؤالان اللذان وضع الله لهما حدودًا فهما السؤال عن الروح والسؤال عن الساعة. فالأول كان لمعرفة ماهية الروح، وأنّى للبشر ذلك بعلمهم القليل المحدود؟ والثاني كان لمعرفة توقيتٍ في الغيب، قال تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قل إنّما عِلْمُها عِنْدَ ربّي}، فحجب عنهم علم الغيب الذي لا ينفعهم. وفي إجابة أخرى في سورة النازعات نبّههم بعد السؤال نفسه إلى المعرفة العملية التي ينبغي توجيه الاهتمام إليها فقال: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا}، لأنّ معرفة توقيتها ليست من اختصاص البشر ولا هي من المعرفة النافعة لهم، أما المعرفة النافعة فهي حقيقة قيام هذه الساعة في المستقبل، وهو ما يستلزم الخشية التي تنبع عنها الطاعة، ولذلك كان النبيّ صلى الله عليه وسلّم "نذيرًا"، والإنذار نوع من الإخبار الذي يُبنى عليه عمل بالضرورة، فأنا أنذرك ببركان قادم لتغادر المكان فورًا. أما المعرفة التي لا تتعلّق بفعل الإنسان فهي معرفة باردة، يؤدي الانشغال بها إلى تبديد طاقة الإنسان.

وقد سُئل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما صحّ في البخاري: "متى الساعة قائمة"؟ فأجاب السائل: "ويلك! وما أعددتَ لها؟". وهي إجابة عظيمة من جوامع كَلِمِ المصطفى صلى الله عليه وسلم، فقد وجّه السائلَ إلى العمل النافع المبني على العلم بقيام الساعة في المستقبل، وإنْ لم يعرف توقيتها، فالمعرفة بوجودها كافية لدفع الإنسان إلى العمل الصالح الذي سيصحبه وينفعه في الآخرة. ولهذا قال الإمام الشاطبي في "الموافقات": "كلّ مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوضٌ فيما لم يدلّ على استحسانه دليلٌ شرعي، وأعني بالعمل عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعا. والدليل على ذلك استقراء الشريعة: فإنّا رأينا الشارع يُعرض عما لا يفيد عملا مكلّفا به".

وفي هذه الآية، بل في جميع آيات السؤال تلك، درسٌ عظيم في أدب السؤال والبحث، فالقرآن يوجّه عقولنا نحو السؤال النافع، ويخبرنا بالعلم الحقيقي الذي يجدر بالإنسان أن يحصّله، ويصون عقولنا عن البحث في أشياء لن نصل فيها إلى عِلم.