رسائل قرآنية في إصلاح العقل (5)

{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل: 78).

تتجلّى في هذه الآية خصيصتان تميّزان منهج القرآن في إصلاح العقل، وهما "الإجمال" و"البداهة"، فالآية تبيّن مصادر العلم بإجمال دون تفصيل، وتخاطب البداهة مُعْرضةً عن مجادلة المشكّكين في العلم الإنساني الذي مصدره هذه الثلاثة: الأخبار والمعاينة والاستدلال. وبعد ذكر الآية لمصادر العلم الحقيقية والمؤثّرة في حياة البشرية تربطها بجانب تعبّدي وهو الشكر، فهذه المصادر هي نِعَم الخالق التي تستوجب شكر العبد، ومن واجب الشكر إحسان استعمالها.

إنّ القرآن لا يدخل في جدل طويل مع أوهام سُفسطائية، ولا يطاردها سعيًا وراء تفنيدها أو لدفع شكّ أدّت إليه هذه المطاردة للأفكار الرديئة، فالمعرفة القابلة للتدبير هي هذه المعرفة التي مصدرها الخبر والمعاينة والاستدلال، وكل إنسان يعلم ذلك، ويتصرّف في حياته بناء عليها؛ فيجتنب الأذى ويطلب النفع، ويحبّ ويخشى، ويُقبل ويُحجم، ويعتبر من الماضي ويخطط للمستقبل. يفعل كل ذلك بعد معرفة حصّلها من هذه المصادر. إنّ كيانه الاختياريّ بأسره، والذي جعل منه إنسانًا، قائم على هذه المعرفة!

والقرآن لا يستبدل المعرفة الوقائعية القابلة للتدبير بافتراضات وهمية، أي لا يعطي لهذه الافتراضات ثقلا ولا يناقشها لأنّها غير جدّية ولا واقعية ولا أثر لها في حياتنا. إنّه لا يفترض احتمال أن نكون في حُلم طويل أو أننا داخل لعبة Matrix! ولا يحاول إثبات البدهيات بمجادلات طويلة كما يفعل الفلاسفة.

إنّ الشكّ في كلّ العلم الذي يُحصّله البشر من الأخبار والحواسّ وما يعالجونه في عقولهم "التي تميّز بين الأشياء وأضدادها" كما يقول الشافعي هو في الواقع نسْفٌ لكل لحظات الحياة البشرية ويستلزم التوقّف التام عن كل فعل اختياري واعٍ؛ لأنّ كل فعل هذا وصفُه مبني على ذلك العلم الذي حصّله الإنسان بالأخبار والمعاينة والاستدلال، ومع التشكيك بالعلم المستقى من هذه المصادر ينبغي أن تتوقف الحياة الإنسانية، ولكنّ الإنسان – حتى لو كان شكوكيّا – يتصرّف بناء على العلم المستقى من هذه المصادر، وتصرّفه هذا الذي لا فكاك له منه هو الدليل الأعظم على بداهة هذه المصادر ووجوب الانتفاع بالعلوم النابعة عنها.

والقرآن لا يقول لنا إننا خرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا كي ندخل في جدل فلسفي حول المعارف القبْلية، بل لندرك هذه الحقيقة كما يدركها الأميّون الذين يشاهدون الطفل وجهله التام بالأشياء، ثم بناء معرفته بهذه المصادر التي وهبه الله. هكذا بإجمال وبداهة، لأنّ تلك النقاشات الفلسفية أيا كانت نتيجتها لم تغيّر شيئا من طبيعة تعلّم الإنسان، والعلم الذي لا يدلّنا على شيء نافع مؤثّر في الواقع غير جدير بالاهتمام.

وأخيرا، فلن يصل البشر إلى اليقين المطلق الذي اشتهاه الفلاسفة عبر العصور، لأنّه مخالف للبنية الابتلائية لهذا العالم، وهو غير ممكن إلا في الآخرة، وقد سمّاه الله سبحانه {عين اليقين}، أما {علم اليقين} فهو ما يصلنا من علامات اليقين التي يكون اجتناؤها وتداولها من صلب مسيرة الابتلاء التي يحاسَب عليها الإنسان. وهذا الإجمال الذي في الآية يتّسق مع مسيرة الابتلاء؛ لأنّ الأشياء لن تكون نهائية وناجزة في متناول الإنسان، بل عليه أن يسعى، فإنّه {لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى}، وهو يحاسَب على سعيه هذا. ولذلك أجمل الله لنا في الخطاب، ولم يعطنا كل العلوم اليقينية كي يصحّ الابتلاء، فلو نؤتَ من العلمِ إلا قليلاً.