رسائل قرآنية في إصلاح العقل (4)

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران: 190-191).

يتبدّى في هذه الآية الارتباط الوثيق بين "التعقّل" و"الإيمان"، فالعقل المؤمن الذاكر لله هو الأكثر اقتدارًا على التفكير النافع الصحيح؛ لأنّه ينظر إلى ظواهر هذا العالَم نظرةً شاملة متكاملة لا تُغفل البُعد الغائيّ، فتُبصر "الآيات" من وراء الخلْق، أي أنّ هذه الظواهر مخلوقة لغاية، ومخلوقة بالحقّ. فهو يصل بتفكّره في خلْق السماوات والأرض إلى ما وراءها من الإرادة والحكمة، ولا يتناولها أجزاء وتفاريق في المختبرات والمراصد الفلكية والمعادلات الفيزيائية ثم لا يصل إلى شيء، أو يصل إلى القول بالصدفة والعبثية!

ومن الخطأ الظنّ بأنّ أسبقية إيمان هؤلاء الرهط من المؤمنين تجعل نتيجة تفكّرهم (وهي ملاحظة الحقّ الإلهي) منحازةً لأنّها صدرتْ عن أعينٍ ترى العالم بنظّارة العقيدة ومن ثم تفسّره بحسب تلك العقيدة. بل إنّ الإيمان وزيادته وفعله في قلوبهم كان نتيجة لهذا التفكّر الصادق، فقد قالوا عقب التفكّر: {سبحانك}، وهي كلمة من الإيمان محشوّة بما تعاظم في قلوبهم من استشعار الحقّ المبثوث في العالَم، وعبّروا عن إيمانهم بالآخرة فقالوا: {فقنا عذاب النار}. ولهذا دُعيَ الكفّار إلى النظر في السماوات والأرض والتفكّر كما دُعوا إلى التخلّص من التعصّب لتقاليدهم وأديان آبائهم، فالله يدعو في كتابه إلى التجرّد للحق، وإلى التخلّص من ركام الإلف والاعتياد والغفلة والهوى. وحين يتخلّص الإنسان من هذه العلائق المشوّشة يغدو قلبه أكثر حساسية لاستقبال إشارات العالَم الدالّة على الله، وهذا هو حال المؤمن اللبيب.

والدرس العقلي الذي تُعلّمنا إياه الآية هو ضرورة الصدق في عملية التفكّر. الصدق المفضي إلى ربط حقائق هذا العالم ببعضها بعضا واستخلاص العبر منها. فهذا الكون المنسّق البديع لم يُخلق من عدم. وهذه الأرض بكل شروطها الفيزيائية وظروفها المناخية وما فيها من أقوات ومخلوقات لم تترتّب عبثًا. وهذا الإنسان بكل ما يبعث على الدهشة فيه من فكر ولغة وإرادة وحرية اختيار وفرح وحزن وشعور هائل بالذاتية وألم من مآل العدم لم يوجد بغير غاية وليس حثالة كيميائية!

إنّ طبيعة الإنسان المعقّدة المتجاوزة لتفاصيل العالم المادية دليل بحدّ ذاتها على أنّه غير مكتفٍ بهذا العالَم، فهو أضيق من أن يكون نهايته التعيسة؛ لأنّ آفاقه أضيق من آفاق ذاته الرحبة. ولم يكن هذا التعقيد والثقل الفكري والروحي في الذات الإنسانية نتيجة خطأ تطوّري أسبل علينا الشقاء إلى أن تفنى البشرية، فلا يقول هذا إلا من يرتدي نظّارة الفرار من الله لظروف تاريخية عصيبة ارتبطت بالدين، أما الصادق فهو يتبصّر ويمتلك شجاعة مواجهة هذه الحقائق والبحث عن تفسيرها أيّا كانت نتيجة هذا البحث.

وقد وصف الله هؤلاء القوّامين المتفكّرين بأولي الألباب، أي أولي العقول، واللبّ تجاوزٌ للقشرة، وكذلك هؤلاء: تجاوزوا البيانات الظاهرية التي يشاهدونها في العالم، فلم يكتفوا بتجميع هذه المعلومات ومعرفتها، بل تخطَّوها إلى إدراك الغاية من ورائها وتفاعلتْ ذواتُهم مع هذه الغاية. وهذا النوع من التفكير هو من أعظم عمليّات العقل وأعمقها، وهو من الإصلاح الفكري الذي يحمله المسلمون للعالم ليعالجوا به القصور الذي ابتليتْ به البشرية في عصرنا الحاضر. القصور الذي جعل الذهن آلة ترصد المادة حولها وتنظّم معرفتها الجبّارة ثم تُسخّرها لترقية هذا العالم الفاني.. ولا تتجاوز الفناء والشقاء المعلَّقَين في أفقها الداجي!