رسائل قرآنية في إصلاح العقل (3)

{قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} (سبأ: 46)

إنّ القرآن لا يكتفي بعرض أدلّته العقلية الحاسمة على صدق النبوّة، فالقضية ليست قضية محاججة فحسب، ولهذا فهو يوجّه خطابه إلى ضمائر المخاطَبين و"يعظهم" بشروط أخلاقية لا يرفضها عاقل.

وأول هذه الشروط الإخلاص للحقّ: فيقوم لله.. لا للهوى ولا للانتصار للنفس ولا القبيلة ولا العادات ولا التقاليد. الله سبحانه هو الضامن الأول لعملية تفكير سليمة خالية من الشوائب والأوضار. ومنهج التفكير الذي يعلّمه القرآن للإنسان هو منهج مرتبط بالله من أوله إلى آخره؛ لأنّ الإنسان لا يقوم وحده، وتفكيره متأثّر ولا بدّ بمنغّصات الهوى والشهوات والغفلة والجهالات، ولذا فهو مفتقر إلى الله، إليه يأوي وبه يستعين ومنه يستمدّ حين يرغب بمعرفة الحقّ.

ثم وعظهم بالحوار الثنائي أو بالحوار الذاتي المنفرد؛ ليُخلّصهم من شوائب العقل الجمْعي الذي يجرف الأفرادَ في تيّاره ويُصعّب عليهم التفكير بنزاهة وإنصاف تأثّرًا برأي "الجماعة" وسطوته. وقد تتجسّد هذه الجماعة بالقبيلة أو الحزب أو الفرقة أو المذهب. وحين يتخلّص المرء منها يحاور أخيه الإنسان دون خوف من رقابة الجماعة وضغطها النفسي، أو ينفرد بذاته.. وهناك في أعماق القلب، حين يواجه المرء ذاته التي بين جنبيه، يكون في أعلى مستويات صراحته ونزاهته وإنصافه، فيغدو أكثر شفافية ومن ثمّ أكثر قدرةً على معرفة الحقّ والانقياد إليه.

وحين يتجادل المتجادلون في مسائل الفكر والفلسفة والعقائد والشرائع وغيرها من مسائل الحياة بعيدًا عن هدايات القرآن تستغرقُ الحججُ كل تفكيرهم، ويركّز كل فرد على تعزيز أدلّته وتفنيد كلام خصمه، فتُلاحقُ الكلماتُ أخواتِها، وينجدلُ الكلام في دوّامة لا تكاد تنتهي؛ لأنّ قدرة الإنسان على الاحتجاج لموقفه بكلام يُسمّيه دليلا كبيرة جدّا، وسيأتي معنا قوله تعالى: {وكان الإنسانُ أكثر شيءٍ جدلًا} والعبرة المستفادة من تلك الآية، ولكنّ القصد هنا أنّ القرآن يضع ما يمكن تسميته "مفترقات الطرق الأخلاقية" التي هي أكثر ما ينفع الإنسان في اختيار الحقّ. ولا يضع له نَسَقًا متراميَ القواعد والقوانين ليكون بمنزلة "دليل" لمعرفة الحقّ كما هو حال علمِ المنطق. فالإنسان البارع بالجدل قادرٌ على تسخير هذا النَّسَق لصالح آرائه وأهوائه، ولقد وجدنا المناطقة من مختلف العقائد والأديان والمذاهب والمشارب قد اتفقوا على مُجمَل منطق أرسطو وقوانينه ثم اختلفوا في كل شيء تقريبًا! لأنّ منبع الخلاف بين البشر قيميّ أخلاقيّ، وهو يحتاج إلى وقفات مع القلب كتلك التي يُوجِّه إليها القرآن، فهي قواعد النظر التي يعلّمها للإنسان، ومنهج التفكير القائد إلى الجنان.