رسائل قرآنية في إصلاح العقل (2)

{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا} (الإسراء: 36).

هذه الآية الوجيزة هي سيف من الحقّ القاطع الذي يقطع الصلة بالظنّ والوهم في كل مجالات الحياة، وبالخرافة التي أثقلت كاهل البشرية، سواء الخرافة الجاهلية القديمة التي كانت تعبد الأوثان وتعتقد بتأثير الكواكب والنجوم على حياة الإنسان، أو الخرافة الجاهلية الحديثة التي ترسم خارطة افتراضاتها العلمويّة بما ينأى بالإنسان عن الله والدين.

رُويَ عن قتادة في تفسيرها: "لا تقلْ رأيتُ ولم ترَ، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم". والعلم علامة؛ علامة تدلّك على حقائق الأشياء، فتتصرّف استجابة لهذه العلامات كما تستجيب لمعالِم الطريق: هذا جبل خلفه وادٍ ومن ورائه غابة. تنطبع هذه المشاهد في ذهنك فتتحرّك في دربك الواصل بناء على معرفتك للمعالم.

والعلم يحصل إمّا بالمعاينة أو بالخبر الصحيح الذي يبلغ إلى السمع أو بالدلائل والشواهد التي يعقلها الإنسان، كمن يرى الدخان فيستيقن بالنار، وكما عرف إبراهيم ربّه بالدلائل على حدّ قول الإمام أبي بكر الورّاق في كتابه "العالم والمتعلّم".

وقد ذكرها الله عزّ وجلّ جميعًا في الآية وأكّد بأنّ الإنسان سوف يُسأل عن استعمالها في تحصيل العلم، ترسيخا لخطورة هذا الأمر على الحياة وعلى مصير الإنسان في الآخرة، فقال: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا}. والفؤاد مشتمل على ما نسمّيه القوة الإدراكية أو العقل، ولعلّ اختيار لفظ "الفؤاد" لأنّه هو الذي يرقّ ويشفّ أو يغلظ فيَحجُب الدلائل عن بلوغ القلب. ألا ترى أنّه صلى الله عليه وسلّم قال: "أتاكم أهلُ اليمن هم أرقُّ أفئدةً وألينُ قلوبًا"، ثم قال عقب ذلك: "الإيمان يمان والحكمة يمانية"، فحين يرقّ الفؤاد تتجلّى له الدلائل والشواهد فتنفجر في قلبه ينابيع الإيمان والحكمة. ولهذا تجد الكافر يمرّ على آيات الله في الأنفس والآفاق فلا تحرّك في قلبه ساكنًا؛ لأنّ فؤاده غلُظ وأحاطت به الغلفة فحجبتْ عنه دلائل الحقّ المبثوثة في العالَم.

والعلم الإنساني ليس "علم آلة" كما أراد له المناطقة أن يكون، فسيظلّ الإنسان خطّاءً، ولكنه يبذل جهده في تجويد مسالك العلم: فيتأكّد من المعاينة ويتحرّى الأخبار ويروّض قلبه على الإنصاف ونبذ الكِبْر والتعصّب للمعتقدات التي لا دليل عليها. ولقد كانت طريقة القرآن في تجويد مسالك اجتناء هذا العلم هي التوجيه إلى تحسين شروطه وظروفه التي هي أخلاق الحقّ والعدل والصدق، ولهذا كانت مسؤولية الإنسان عن هذه المسالك الثلاثة للعلم (المعاينة والخبر والاستدلال) مسؤوليّة أخلاقية في المقام الأول، وهي التي تنقّي قنوات العلم فتجعله علمًا صحيحًا نافعًا، لا بمقدّمات وترتيبات ذهنية تحاول برمجة الإنسان مع جهلها بطبيعته.

فأمّا في المعاينة فقد اقتضاه ربُّه ألا يكذب وألا يتناول ما يُذهب عقلَه.

وأمّا في الخبر فقد أمره ربّه بالتبيّن والتأكّد من عدالة الرواة، وهكذا نشأت علوم الحديث.

وأمّا في الاستدلال فقد أعطاه ربّه جملة من القواعد والتوجيهات لتربية الفؤاد وتخليصه من أدران الغلفة والغفلة، كي يبصر الدلائل وتصنع أثرها الحيّ فيه، فتُحرّك إرادته لاختيار الحقّ والصدق والعدل.

وستكون لنا وقفات مع بعض هذه القواعد والتوجيهات القرآنية في الخواطر القادمة بإذن الله.