رسائل قرآنية في إصلاح العقل (19)

{وَيَتَعَلَّمونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (البقرة: 102).

تُحدّد هذه الآية معيار العلم الأساسي الذي يكرّره القرآن في عدة مواضع ومن وجهات مختلفة وفي قضايا متنوّعة، وهو أن يكون هذا العلم نافعًا للإنسان في دنياه وآخرته، على أن تكون الآخرة هي "بوصلة" العلم والعمل في حياة الإنسان. وإذا كان العلم المقصود هنا هو "السحر"، والذي سيخسر منتحلُه نصيبَه في الآخرة كما تذكر الآية، فإنّ الآية تقدّم لنا "معيارا" نحتكم إليه؛ لأنّ الله عزّ وجلّ حين أراد ذمّ علمَ السحر وصفه بأنّه {يضرّهم ولا ينفعهم}، فكان هذا الوصف ميزانًا نزين به العلوم كلّها.

وقد تبدو الكثير من العلوم بعيدة كلّ البعد عن أن تكون شرّا محضًا كما هو حال علمِ السحر الذي يبيع فيه الإنسان آخرتَه، ولكنّ وَزْنَها بميزان الضرر والنفع يجعل المسلم متيقّظًا لما يخوض فيه وما لا يخوض فيه، فيشطب من اهتمامه الكثير من العلوم التي لا طائل وراءها، حتى تلك التي أُلصِقتْ بالدين قبل قرون طويلة، واحتوتْ على مسائل وقضايا لا تنفع الإنسان في دنياه أو آخرته.

إنّ الآية لا تكتفي بالتحذير من علم السحر وبيان فساد منتحليه، ولكنّها تُصلح التفكير الإنساني فيما يتعلّق بالعلوم التي يُقبل عليها المسلمُ أو يُحجِم عنها، فالإقبال على علمٍ ما لا يكون لمجرّد اللذّة أو اتّباعًا للهوى أو انسياقا مع البيئة والجدل الدائر؛ لأنّ المسلم أكرم من أن يكون بلا هدف ولا غاية ولا ميزان يزين به ما يُدخله إلى عقله من مادة العلم. وهو حين ينظر إلى أطنان من الجدل الفلسفي والكلامي الذي ثار على مدى قرون طويلة وصُنّفتْ حوله مئات الكتب والرسائل، يُدرك أنّ الكثير من مادة هذه العلوم كانت مع الأسف بلا جدوى ولا طائل في الدنيا أو في الآخرة.

لقد خاض الكثير من الفلاسفة والمتكلّمين في طبيعة الله عزّ وجلّ من غير أداة وبلا كتاب منير، وفضلا عن ذلك كلّه صاغوا آراء عقائدية لا يُبنى عليها عمل. مسألة "خَلْق القرآن" مثلا كانت من أبرز المسائل التي اختلفت حولها الفرق الإسلامية من معتزلة ولفظية وقائلين بالكلام النفسي وغير ذلك، فإذا فتّشتَ عن المواقف العملية المختلفة التي تُبنى على هذه الآراء المختلفة والتي سُفكتْ لأجلها الدماء؛ لن تجد شيئًا! بل قد تجد المعتزلي والسنّي يتلوان كتاب الله حقّ تلاوته ويقيمان ما فيه من أحكام ويتخلّقان بما فيه من أخلاق وقيم ويؤمنان قبل ذلك أنّه كلام الله الذي يجب توقيرُه واتباعه ولا يجوز تحريفه أو مخالفته، فلم تؤثّر علومهم تلك مثل "القرآن مخلوق" أو "لَفْظي بالقرآن مخلوق" في طبيعة تناولهم للقرآن واستفادتهم منه وعملهم به. ولهذا كانت هذه العلوم غير نافعة، بل ضارّة بما جلبتْه على المسلمين من جدل باهظ الثمن!