رسائل قرآنية في إصلاح العقل (18)

{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} (البقرة: 78).

هذه الآية وإنْ كانت تحكي حال بعض أهل الكتاب الذين تمنّوا على الله الأمانيّ، ولكنّها تحمل أيضًا تحذيرًا شديدًا لهذه الأمة من الوقوع فيما وقع فيه هؤلاء، وهو مواجهة النصّ القرآني، وكلّ نص أو واقعة، بمقرّرات سابقة تعكس ما يتمنّاه الإنسان ويحلم به. فالعلم الحقيقي انقيادٌ للحقائق والوقائع، أمّا إسقاط الأمانيّ والأهواء على النصوص وفي تأويل الأحداث فهو ظنّ آثم لا قيمة له في ميزان العلم القرآني.

وسرعان ما يعرض لنا السياق القرآني نموذجًا من أمانيّ هذا الصنف من أهل الكتاب بعد آيتين، فقال الله عزّ وجلّ حكاية عنهم: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 80). فجرّدَهم من العلم حين كان مستندهم "الأمنيّة" لا الخبر اليقيني من الله، وكذلك كانت أمانيّهم حين قالوا: {لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}، وحين قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}. فهذه كلّها أمانيّ لا مصداق لها من الواقع ولا برهان عليها من الله.

والأمانيّ: "الأحاديث المفتعلة" كما قال الفرّاء. وجاء في معناها أنّها: "الكذب"، كما روي عن عثمان رضي الله عنه أنّه قال: "ما تمنّيتُ منذ أسلمتُ" أي ما كذبت. ولعلّ سبب ذلك أنّ الكذب مرجعه إلى ما يتمنّاه المرء في صدره بخلاف الحقيقة، فيفتعل شيئا يستمدّه من ذاته لا من الواقع، ثم يُسقطه على الواقع. وقد حذّر الله في كتابه أشدّ التحذير من ذلك، لينفيَ عن العقل كل ممارسة هذا شأنها، فلا ينتج عن تزييف الواقع أو إسقاط الأمانيّ والأحلام عليه إلا الفساد.

وفي هذه الآية إصلاح للعقل كبير، ودعوة إلى أن تتجنّب هذه الأمة ما وقع فيه اليهود والنصارى ليس فقط في أمانيّهم الإرجائية المتعلّقة بدخول الجنّة والمغفرة، والتي تعكس اغترارًا بالنفس، ولكنْ أن تتجنّب أيضًا منهج التفكير نفسه، وهو المنهج الذي يقترب من النصّ أو الواقعة وهو محمّلٌ بأمانيّ ورغبات وأحلام، فيعتسفُ المعاني اعتسافًا، فهي في ذاته قبل أن يقرأ القرآن أو الواقعة، ولكنّه ينسبها إلى القرآن أو الوقائع بشيء من ليّ النصوص والتوسّع في تأويلها وتأويل الأحداث بغير سند من الله. وهذا المنهج في التفكير والاستدلال خطير؛ لأنّه يجعل العقل فريسةَ أهوائه ويُزيّف الواقع عند المتلقّين، حتى إذا ظهر بطلان الاستدلال سقطتْ هيبة العلم من القلوب. فالعلم لا يُبنى إلا على الصدق، والعالم قد يجانب الصدقَ حين يتّبع الهوى وإنْ ظنّ أنّه الحقّ، ولهذا قال سبحانه: {وإنْ هُمْ إلا يَظنّون} كي لا يبرأ من هذا الانحراف من كان معتقدًا صحّة ما يقول، فالقضية في افتعال الظنون والأمانيّ لا في تعمُّد الكذب فحسب.

وكثيرًا ما يقع بعض الباحثين والمفكّرين المسلمين في مثل هذا، وخصوصا في لحظات تاريخية عصيبة كالتي تمرّ بها الأمّة في هذا العهد، فيرجون للأمة النصر والنهوض، ويلتمسون من النصوص والوقائع ما يؤيّد هذه الأماني والأحلام النبيلة، ويتساهلون في التأويل ويتوسّعون، فيقعون فريسة هذا المنهج المنحرف في التفكير، وتصبح علومهم ظنونًا تُعطّل العقول عن التفكير الصحيح وتملؤها بالأوهام التي تظنّها علمًا صادقًا مطابقًا للوقائع، {وإنْ هُمْ إلا يَظنّون}!