رسائل قرآنية في إصلاح العقل (17)

{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (الأنعام: 32).

تحدّد هذه الآية أحد أهمّ أنواع التفكير التي فيها إصلاح للعقلِ المتقوقع على الدنيا. فالعقل في الآية هو الذي يُوازِن بين القليل العاجل الزائل والكثير الآجل الدائم، أي بين الدنيا والآخرة، فهو حين يعلم أنّ هذه الدنيا زائلة، وأنّها دار ممرّ لا دار مقرّ، وأنّ الآخرة هي الحياة الدائمة التي لا زوال لها؛ يرشده عقْله إلى العمل والاجتهاد لها، وإلى عدم الانغماس في ملذّات الدنيا وشهواتها ونسيان عمران الآخرة.

تحمل الآية في بنيتها منهجًا من التفكير غاب عن الكثير من البشر في عالمنا، وهو منهج النظر في المآلات، فليس من العقلِ في شيءٍ أن تحكم اللذّةُ الطارئة والشهوة القريبة المباشرة نظامَ حياتنا، وأن يكون سعيُنا في هذه الدنيا الزائلة نحو المزيد من أفراحها ومباهجها. ولهذا تُمثّل هذه الآية ونظائرها في القرآن أكبر زلزال نافع للعقل الإنساني. إنّه الزلزال الذي يمثّل إنذارًا عاجلا من الله الرحمن الرحيم للإنسان الغافل اللاهي، ليُخبره بحقيقة هذه الدنيا وبغاية وجوده وطبيعة تكليفه وحقائق الآخرة.

وبعد أن يُطالِع الإنسان هذه الحقيقة يبدأ دور العقل الحقيقي، وهو عَقْل النفس عن الغفلة واللهو والانغماس في الدنيا ونسيان الآخرة والإعداد لها، ولهذا نجد التذكير بهذه الحقيقة قد تكرّر في القرآن؛ فالتكرار أحد خصائص المنطق القرآني والذي يهدف إلى تذكير الإنسان وترسيخ الحقائق في كينونته المتلقّية للوحي، في مختلف المناسبات والأطوار والحالات، وهذا من رحمة الله عزّ وجلّ بالبشر؛ فلم يخبرهم بالحقيقة جملةً في عبارة واحدة وتركهم إلى نفوسهم وأهوائهم، بل رأفَ بهم ونوّع لهم في الخطاب وكرّر عليهم الحقائق النافعة ليؤوبوا إليه ولو بعد حين.

فقال في آية أخرى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ}. وقال لهم: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}. وقال لهم: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}. وقال لهم: {أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ}. وقال لهم: {وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ}. وقال لهم: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا}. وأمثال ذلك في القرآن كثير، وجميع هذه الآيات تُصوّب الإنسان وتُرشده إلى العمل الصالح واجتناب الباطل بجميع أشكاله.

إنّ الآخرة في القرآن هي بوصلة العقل التي تشدّه دومًا إلى أنفع الأعمال وأرشد المسالك، ولهذا كثر التذكير بها في القرآن. وهي في الوقت نفسه ترشد الإنسان إلى ضرورة أن يكون بعيد النظر، فلا يخلد إلى الأرض، ويتطلّع إلى ما هو أبعد من لحظته الآنية، فتلك هي صفات الإنسان التي تميّز بها عن الحيوان، وحين يُعطّلها يكون قد عطّل إحدى أبرز خصائص الإنسان.

ولطالما كان النظر في المآلات والتفكير في المستقبل أحد أبرز أدوات الإنسان في ترقية حياته وبلوغ مآربه النافعة له، وكل تطوّر في الحياة كان مبدؤه تخيُّل مستقبَل أفضل من الحاضر الآنيّ، ثم سعيٌ إليه بكل الطرق المتاحة إلى أن يتحقّق ويغدو حاضرًا يعيشه الإنسان. وأعقل العقلاء هو الذي يضع أمام ناظريه مستقبلَه البعيد في الآخرة، فيعمّره بالأعمال الصالحة، لأنّه ملاذه الأخير الذي لا ملاذ بعده.