رسائل قرآنية في إصلاح العقل (16)

{الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} (البقرة: 147).

تحمل هذه الآية الوجيزة في كلماتها منهاجًا عظيمًا في التعامل مع الشكّ الإنساني في حقائق الأشياء. إنّها تقرّر بإجمالٍ ويُسر وبداهة أنّ الله هو الضامن للنجاة من كلّ شك في الدنيا، فمنه سبحانه صدر العلمُ كله والأمرُ كله، وإليه يرجع العلمُ كله والأمرُ كله. فهو سبحانه الذي خلقَ الإنسان وعلّمه البيان وأسماء الأشياء كلّها، وهو الذي وهبه القدرة على التمييز بينها، وعلى أساس هذه المعرفة يدبّر الموجودات التي في متناول فكره ويده.

والإنسان ضعيف بنفسه قويّ بربّه، يدرك ضعفه حين يواجه العالم متسلّحًا بقدراته الذاتية فحسب، كأنّما هو في حقل ألغام ولا يملك خارطة المسير، ولا يملك القدرة على تفسير هذا الابتلاء العظيم بغير معرفة الله والاستعانة به والانقياد لشريعته الهادية. ولهذا ينبع الشكّ في الأشياء ويتفشّى حين ينقطع الإنسان عن الله. يمتري الناس في غاية وجودهم، وفي مفهومهم عن السعادة، وفي جدوى الحياة، وفي القوانين التي تضبط علاقاتهم، وفي ما هو أخلاقي وما ليس بأخلاقي، بل يمتري بعضهم في حقيقة وجوده ويُكابد لأجل إثبات ذلك مسالك عويصة من التفكير.

ولكنّ الإنسان حين يعلم بيقين أنّه مخلوق لله الذي بوّأه في الأرض واستخلفه فيها وكلّفه وابتلاه ليردّه إليه بعد الموت ويبعثه في نعيم مقيم أو في عذاب شديد؛ يمتلئ قلبُه بحقائق تدفع كلّ شكّ ومِرْية، بل يصبح كلُّ شكّ في جنبِها ترفًا هزيلا وكَلَفًا ضئيلا، فثمّة الحقيقة الكبرى التي يتطامنُ لأجلها كلّ همّ في هذه الدنيا وكل جزع وامتراء.

إنّ هذا الإنسان كائنٌ غيبيّ بامتياز، لا يمكن لآفاق هذه الدنيا أن تتّسع لآفاق عقله وروحه، ولذا فحين ينقطع عن الله ويعزل قلبَه عن وَحْيِه ويتقوقعَ في "عالَمانية" ضيّقة لا ترى أبعد من الدنيا؛ يصيبه داء الشكّ في الأشياء، ويصير في نفسه كالوسواس القهري الذي يَعْتَوِرُ الأبدان فتضطرب في التعاطي مع مفردات حياتها، ويخبط في حقائق الأشياء خبْط عشواء، كتخبّط الأسماك حين تخرج من الماء. ولا شفاء من وسواس الشكّ هذا إلا بالقرآن: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}.

ولهذا كانت الهداية في القرآن مرتبطة بالإيمان بالغيب: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}. وحين يتّقي المتّقون النارَ بإيمانهم هذا، فإنّهم يتّقون به أيضا جحيم الشكّ ونيران الامتراء، لسبب مرتبط بحقيقة الإنسان: الإيمان بالغيب، فهو وحده الكفيل برسوخ معارفه في عالَم الشهادة. ولقد أخبرنا القرآن كيف امترى بنو إسرائيل بالبقرة حين كانت طبيعتهم تبحث عن الدلائل الحسّية الجهارية، وكيف قال الأنصارُ الذين يؤمنون بالغيب لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "لو أمرتَنا أن نخوض البحرَ لخضناه". من هنا علمنا كيف نجا الغزاليّ من شكّه، فإنّما كان بنور قذفه الله في قلبٍ التجأ إليه واحتمى من نار الشكّ به، لا بكثرة جدال ولا بنسق منطقي.

إنّ القرآن يقدّم للإنسان الدواء النافع لأمراض الشكّ كلها، فهو يصله بالله بالصلاة والدعاء والتهجّد والتبتّل وغيرها من العبادات، فيجعله على علاقة دائمة بالله ويملأ قلبه باليقين، فلا تبقى فيه ثقوب يعبر منها الشك. ويقدّم له حقائق الغيب التي تفسّر له غاية وجوده وتُطمئن قلبَه، والشريعةَ الهادية التي تحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وتقدّم ثوابت القيم والأخلاق. فتلك طريقة القرآن ومنهجه في قطع مناهج الشكّ والسفسطة والامتراء.