رسائل قرآنية في إصلاح العقل (15)

{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (البقرة: 44).

مررتُ على هذه الآية أوّل مرّة دون أن ألاحظ عظيمَ ما فيها من إصلاح للعقل. ثم وجدتُني يومًا أردّدها بعد أن شرعتُ في كتابة هذه الرسائل في إصلاح العقل اهتداء بالقرآن واسترشادًا بآياته. لقد كنت أجد نفسي تكشف مساحات جديدة مدهشة من الإصلاح القرآني للعقل، ولكنّي قليلا ما كنت أقوّم نفسي بهذه التوجيهات القرآنية. ثم خطر لي هذا المعنى، وبدأت أسأل نفسي عند تدبّر كل آية وكتابة ما فُتح لي من الله حولها: أين أنا من هذا التوجيه؟

وفي حالة من الإشفاق على النفس وجدتُ هذه الآية تُبدّد غبار الغفلة وتخبرني أنّ أوَّلَ العقل أن تَعقل نفسك عن هواها، أن تخوض معركة الهوى فتنتصر فيها مستعينًا بالله، وإذ بالآية التي بعدها: {واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ} (البقرة: 45). فهذه هي إذن معركة العقل الأولى، والتي تغتنم بعد الانتصار فيها غنيمة العقل الأوّل: عقل النفس عن هواها وتطويعها لميزان الحقّ والصدق والعدل.

تُرشد الآية إلى الصدق الضروري مع النفس. الصدق الذي هو دليل عقلانية الإنسان، فالعاقل لا يكشف عن حقائق العلم ثم تظلّ نفسه شاردةً عن هداها. العاقل لا يضيء الطريق بمصباح يمسكه بيده ثم تمضي قدماه في دروب الضلال. العاقل لا يتلو كتاب الله الذي يُرشد إلى كلّ صلاح ثم يتنكّب طريق الصلاح!

وحين يتذكّر الإنسان نفسَه أولا وقبل كل شيء؛ يُعالجها بشفاء القرآن، ويخوض معها معركة التزكية والإصلاح، فيقوّمها بهدايات الوحي ويقترب من الله. وحين يقترب من الله وتتكشّف أمامه آفاق الطريق صافية من ضباب ونقيّة من سراب؛ يدنو من الحقائق وتتكشّف أمام قلبه غيرُها. تنبثق المعرفة كغنيمة يغنمها القلبُ حين ينتصر على هوى نفسه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت: 69).

إنّ منطق القرآن يرفض أن تُتلى آياتُه وتُعالَج بذهنٍ باردٍ لا بقلبٍ حارّ، فمن يفعل ذلك لم ينفذ إلى رسالة القرآن ولم تطرق فؤادَه هداياتُها. إنّ هذا القرآن الذي يخاطب العقل في هذه الآية هو نفسه الذي جاء وصفه على النحو التالي: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (الزمر: 23). وهذا ما يحدث حين يلامس خطابُ الصدق القلوبَ الصادقة، ولهذا كانت استجابة الصادقين: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} (مريم: 58). وتلك استجابة العقلاء؛ فالعاقل ينقاد بكلّه إلى الحقّ حين يؤمن به، ومن هذا الانقياد الذاتيّ الصادق تتراءى أضواء الحقّ على لسانه حين يتلوه على الآخرين، فإنّ الحقّ أشرف من أن ينتقل على ألسنة انطفأتْ قلوبُ أصحابها من أنواره!