رسائل قرآنية في إصلاح العقل (12)

{وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} (المؤمنون: 3).

ينبغي أن تكون هذه الآية قانون المسلم فيما يتعلّق بالرقابة على ما يدخل إلى دماغه من كلام وأفكار وقصص ومشاهدات، واللغو كما قال بعض المفسّرين هو ما لا خير فيه من الأقوال والأعمال، أو كما قال الإمام الزجّاج (311 هـ): "اللَّغْوُ: كلّ لَعِب وهَزْل، وكلّ معصية فمُطّرَحة مُلغاة، وهم الذين قد شغلهم الجدّ فيما أمرهم الله به عن اللّغو". ويأتي "اللّغو" في اللغة بمعنى "الشيء الذي لا يُعْتَدُّ به" كما يقول ابن فارس (395 هـ). فحين يتخيّر الإنسان المؤمن جودة ما يستمع إليه ويعطيه اهتمامه؛ ينمو عقله ويزكو، ومن ثمّ يكون لهذه الرقابة الجادّة تأثيرها في ما يخرج منه من كلام وأفكار ومواقف وآراء.

إنّ القرآن يريد أن يبني الإنسان العاقل صاحب الرسالة، ويريد لأجل ذلك تجنيبه مواطن اللّغو والهزل والتفاهة، وإذا كان ثمة بشر يحتاجون إلى هذا القانون لتنصلح به حياتهم فهم أهل هذا العصر، عصر الفضائيات ومواقع التواصل وما فيها من سخف وتفاهة وهزل ومجون ومحرّمات وتشويه للعقل وتشتيت للانتباه. والقرآن يريد للإنسان أن يبقى منتبهًا في دار الاختبار، فلا وقت فيها ولا مجال للانكباب على التفاهات، ففضلا عن الوقت الضائع فإنّ هذه التفاهات تطبع أثرها المشؤوم على نفس المتلقّي، فيَضمُر إحساسه الجادّ بقضايا الأمة، وتتقزّم اهتماماته، وقد يجد نفسَه يومًا يسير في حياته على هُدى أولئك الذين يسمّونهم "المؤثّرين" في مواقع التواصل، والذين يشدّون انتباهه لغفلاتهم ويصنعون له اهتمامات جديدة ترمي به في مهاوي الضلال!

إنّ بناء العقل إنّما يكون بما تُدخله إليه من مواد، ولهذا حرص القرآن على إذكاء روح المسؤولية في الإنسان، وحثّه على تخيّر النفيس من الكلام، وتدبُّر القيّم من الأفكار، وتتبُّع النبيل من التجارب والمواقف والأعمال، فهذا هو طريق امتلاء العقل واكتنازه بالفوائد وامتلاكه للحسّ المرهَف والأخلاق العالية. وهذا هو العقل الذي يُعين الإنسان في طريقه إلى النجاة بعد أن تُطوى صفحة هذا العالم الفاني بكل ما فيه من أفراح ومباهج.

وقد جاء في وصف "عباد الرحمن" في سورة الفرقان قوله تعالى: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}. وكأنّ الآية تُخبرنا أنّ الحفاظ على العقل من اجتياح جيوش اللَّغْو هو حفاظ على كرامة الإنسان. الإنسان الذي كرّمه الله حين قال له: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا} (الإسراء: 70). فلا يليق بهذا الإنسان المُكرّم أن ينشغل بما يُفسد دينَه وأخلاقَه وذوقَه وفكرَه، وبما يشتت بوصلة تفكيره ويحرّف مسار حياته، ليجد نفسه يعيش في دوامة حياة استهلاكية استمتاعية يتسقّطَ فيها التافهَ الهزيلَ ليُسكت جوعة شهوته، ولكنّه حينئذٍ يكون قد طمسَ عقلَه وروحَه، وأضاع الكرامة التي وهبه الله، وضلّ طريقه في هذه الحياة.