رسائل قرآنية في إصلاح العقل (11)

{أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ} (الزمر: 9).

في هذه الآية بيانٌ لحقيقة العلم ليس بعده بيان. إنّه ليس بيان التعريفات المنطقية، ولا مطوّلات المتكلّمين التي تكثر فيها التصنيفات والتفريعات من غير أن تلامس حقيقة العلم. تقرّر الآية، بيُسْر ووضوح، أنّ الذين يعلمون هم القانتون الساجدون الذين يحذرون الآخرة ويرجون رحمة ربّهم، فالعلم – كما ذكرنا سابقًا – "علامة"، وهي علامة حصول العلم الحقيقي في قلب الإنسان، فالعلم الحقيقي – كما تخبرنا الآية – هو الذي يعمل فيه الشعور وتنبثق عنه الممارسة، فذلك هو العلم الذي يليق بالإنسان، وقدرات الإنسان، وآفاق الإنسان، ورسالة الإنسان في هذه الحياة.

لن تجد في القرآن كلّه محاولة لتعريف مصطلحٍ ما بالماهية للبشر، فما شأن البشر بالماهيات؟ وما جدوى تنقيرهم بالذهن وحدَه عن حقائق الأشياء؟ إنّ المعرفة الإنسانية – كما ترشدنا الآية – ليست من شأن الذهن وحده، ومدارك العقول أوسع من ذلك الخطاب الذهني الأحادي الذي هيمن على علم الكلام لقرون طويلة. فأولو الألباب "الذين يعلمون" هم الذين تحرّكت إرادات قلوبهم في تحقيق مقتضى علوم الوحي التي وعتْها تلك القلوب، فحين عرفوا أنّ لهذا العالم خالقًا واحدًا لا شريك الله، وأنّه سبحانه قد خلقهم للابتلاء، وأقام لهم الحساب والجزاء في الآخرة، وأنّه لن يصحبهم إليها سوى أعمالهم في هذه الدنيا؛ قنتوا لربّهم وسجدوا له وقاموا، وحذروا الآخرة بأقوالهم وأفعالهم، ورجوا رحمة الله الذي بيده كلّ شيء. فهذه هي علامة ما تحقق في قلوبهم من معرفة الله وأخبار الله في كتابه، وهي حقيقة علمهم ومادته، ولهذا وصفهم بأنّهم {الذين يعلمون} هكذا على الإطلاق.

ولقد عاب أئمة الإسلام قديمًا طرائق الفلاسفة والمناطقة في مقاربة العلم، إذ وجدوا الكثير منها لغوًا لا طائل من ورائه. فهذا ابن قتيبة الدينوريّ (276 هـ) ينفر في بداية مقدّمة كتابه القيّم "أدب الكاتب" من طرائق المناطقة ومسائلهم التي يجدها بغير جدوى، ويشيد بحكمة السنّة والصحابة وعلوم المسلمين عمومًا، ثم لا يلبث أن يطرح نموذجًا عن حقيقة تحصيل العلم في علم دنيوي فيقول مخاطبًا الكتّاب: "ولا بد له - مع كتبنا هذه - من النظر في الأشكال لمساحة الأرَضِينَ، حتى يعرف المثلث القائم الزاوية، والمثلث الحادَّ، والمثلث المنفرج، ومساقِطَ الأحجار، والمربَّعات المختلفات، والقِسِي والمدورات، والعَمودَين، ويمتحن معرفته بالعمل في الأرَضِينَ لا في الدفاتر، فإن المَخْبَرَ ليس كالمُعايَنِ". فلا يكفي الكاتبَ عند ابن قتيبة أن يحصّل المعرفة الهندسية الذهنية النظرية، بل ينبغي له أن "يمارسها" في ميدان العمل، فحقيقة العلم التي تليق بالإنسان وتنفعه هي التي يكتسبها بالممارسة. وقد طرح ابن خلدون (808 هـ) في "المقدمة" مثالا عن بصير بالخياطة يُحسن وصف أنواعها ولكنه لا يُحكم الخياطة لأنّه لم يحصّل حقيقة علمها بالممارسة، وجعله مثالا على من يحفظ قواعد العربية ثم لا يحسن إنشاء النصوص العربية السليمة لأنّه لم يمارس موادّ العربية من نصوصٍ حفظًا وهضمًا، فهي التي يحصّل منها علم العربية.

وهكذا تُجنّب الآيةُ عقولَنا الإغراقَ في صورة العلم دون ممارسة مادته، وتخبرنا أنّ الممارسة السليمة النافعة والثمرة الندية الناضرة هي حقيقة العلم، فهي علامة تفاعل قلوبنا مع المعارف التي وقرتْ فيها. وكذلك قال الله سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، فالعلم الذي لا يبعث على الخشية ليس بعلم حقيقيّ.