رسائل قرآنية في إصلاح العقل (10)

{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ} (الزمر:!8).

هؤلاء عباد الرحمن الذين لهم البشرى كما في الآية السابقة، فماذا كان وصفهم؟ إنّ الأقوال لتُلامس أسماعهم، وإنّهم ليُعملون عقولَهم في هذه الأقوال فيتّبعون أحسَنَها، أي أفضلها وأولاها بالاتباع. وقد وصفهم الله سبحانه بالهداية منه وبأنّهم أولو الألباب، أي أولو العقول، واستعمال لفظ اللبّ في وصف العقلاء بيانٌ على عُمق تفكيرهم كما ذكرنا، فاللبّ هو تلك المنطقة العميقة داخل القشرة.

إنّ التفكير العميق الذي يرشد إليه القرآن هو التفكير الذي يُنخّل الأفكار التي تدخل إلى دماغ الإنسان فلا يتّبع أي فكرة كيفما اتفق، ولا يُسلّم قلبَه لمروّجي الأفكار الرديئة والعادات الرديئة، لا يضع عقلَه كالقلادة في أعناق الآخرين لينقاد لهم كالسائمة، بل هو إنسان كريم صاحب عقل وحكمة يستمّدها من الله العزيز الحكيم، وبهذا يكون عصيّا على الغواية والفتنة.

إنّ القرآن إذ يثني على أصحاب هذا التفكير يعطي الإنسان أحد أهم مفاتيح الحصانة العقلية، فالعَقْل – كاسمه – هو أن يَعقِلَ المرء نفسَه عن كل سوء من الأقوال والأعمال، كما يعقل الرجل بعيرَه عن الضلال في الطريق، فيربطها بحبْل حين يُريح، ويقودها بقصدٍ حين يسير. ومن أهم أدوات هذا الضبْط الذي هو صفة العقل أن يكون مميّزا للأفكار والأعمال، ممحّصًا لها ومختارًا لأولاها بالاتّباع وأنفعها له في الدنيا والآخرة.

بل ثمّة ملحظ آخر تشير إليه الآية ضمنًا، وهو أنّ هؤلاء العباد المبشّرون من أولي الألباب "يتّبعون"، أي أنّهم لا يستمعون إلى الفكرة لمعرفة باردة محضة فحسب كما يفعله الفلاسفة. فابن سينا مثلًا يرى في كتاب "الشفاء" أنّ استكمال الإنسان في أن يعرف الحقّ لأجل نفسه والخيرَ لأجل العمل به، فهناك معرفة حقّ عنده لا يُبنى عليها عمل واتّباع، بل تُطلب لمجرّد معرفة الحقّ في الأشياء. ولهذا خاض أولئك الفلاسفة في محاولة معرفة كل شيء، فطرقوا أبوابا من العلم مسدودة على الإنسان، وتناولوا مسائل لا يُبنى عليها عمل أو نفع للبشرية، لا في دنيا ولا في آخرة.

أمّا أولو الألباب، فهم يمتلكون بوصلة التنخيل التي من معاييرها أنّهم إنّما يطرقون الأقوال للانتفاع بها في حياتهم، أي لاتّباع أحسنها لا للتلذذ بمعرفتها ولا لأجل البحث عن الحقّ لذاته من غير أن يستلزم ذلك اتباعًا لشيء. فهم الذين يقولون في دعائهم: "اللهمّ أرنا الحقّ حقّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه"، لأنّ قلوبهم وعقولهم حيّة بالله، تدرك حقيقة الحياة وغاية وجود الإنسان، وتُقدّر قيمة الفكرة والقول، فلا تستمع لأي قول، وحين يستمعون إليه فإنّما لأجل استخلاص الأحسن والأنفع للإنسان.

وقد سئل الجُنَيد البغدادي كما جاء في "حلية الأولياء": "متى يكون الرجل موصوفًا بالعقل؟ قال: إذا كان للأمور مميّزًا، ولها متصفّحًا، وعمّا يوجبه عليه العقل باحثا. يبحث يلتمس بذلك طلبَ الذي هو به أولى؛ ليعمل به ويؤثره على ما سواه". وقد استشهد بآية سورة الزمر نفسها بعد كلام، ثم قال: "كذلك وصفهم الله، وذوو الألباب هم ذوو العقول، وإنّما وقع الثناء عليهم بما وصفهم الله به؛ للأخذ بأحسن الأمور عند استماعها، وأحسن الأمور هو أفضلها وأبقاها على أهلها نفعًا في العاجل والآجل، وإلى ذلك ندبَ الله عزّ وجلّ من عقِلَ في كتابه".