رسائل قرآنية في إصلاح العقل (1)

{قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (يونس: 101).

في هذا المقطع من الآية تأسيسٌ لمنهج في النظر فريد، وإصلاح للعقل لا يجاريه إصلاح اصطنعه الفلاسفة منذ أقدم العصور وحتى عصرنا هذا. في ستّ كلمات تتكشّف خصيصتان لهما دور عجيب في دفع التفكير الإنساني نحو اجتناء المعرفة النافعة من العالَم الذي حوله، هاتان الخصيصتان هما "الطلاقة" و"الضبط".

ولقد تبدّت "الطلاقة" في قوله {انظروا} دون تحديد قواعد للنظر ومقدّمات، ولا تقييد الناظر بحدود واصطلاحات كما يفعله أهل المنطق، فقد أرهق هؤلاء متعلّميهم بذخيرة مترامية من القواعد والاصطلاحات والمقدّمات وأشكال القياس، ممّا جعل نظرهم في حقائق العالَم مأطورًا بهذه الذخيرة كلّها، منغلِقًا عليها غير قادرٍ على الخروج منها. فتجدهم جميعًا يسيرون في طرق الاستدلال ذاتها، والاصطلاحات ذاتها، والمقدّمات ذاتها، ويصلون إلى النتائج ذاتها! وهذا المنهج قتْلٌ لإحدى أخصّ خصائص الإنسان: تكليفه بالنظر الذاتي واحتماله لمسؤولية نظره وعمله المترتّب عليه، فهذه المكابدة الذاتية الحرّة للوصول إلى الحقيقة هي التي تجعل للابتلاء الدنيوي قيمته ولمسؤوليّة الإنسان دورها الحيوي الفعّال.

و"الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق"، فكل إنسان له تجاربه وآفاقه واستجاباته ومشاعره الخاصة الفريدة. كل إنسان عالم وحدَه. ولهذا كان توجيه جميع البشر إلى "النظر" دون تحديد مسالك ضيّقة لهذا النظر دلالة على حكمة الخالق الذي يعلم من خلَق وهو اللطيف الخبير.

ولكنّ هذه الطلاقة ليست بغير ضابط، فهي محدودة بما تدركه الحواسّ، ولهذا قال سبحانه بعد توجيهه للنظر: {ماذا في السماوات والأرض}، فالنظر يكون في السماوات والأرض، أي في حيّز هذا العالَم المحسوس، وليس في الغيب المحجوب عن حواسّنا. وهكذا يستقيم النظر ويُثمر؛ لأنّه متوجّه إلى المحسوسات التي تقود إلى الله الدالّ بآثاره على أسمائه وصفاته وحقائق غيبه. ولهذا قال الإمام الخطّابي (388 هـ) في مناقشته لطرق المتكلّمين المتأثّرين بالفلاسفة في الاستدلال: "فكان ما اعتمده المسلمون في الاستدلال أصحّ وأبين، وفي التوصّل إلى المقصود به أقرب؛ إذ كان التعلّق في أكثره إنّما هو بمعانٍ تُدرَك بالحسّ، وبمقدّمات من العلم مركّبةٍ عليها لا يقع الخُلف في دلالاتها".

بهذا التوازن بين "الطلاقة" في محلّها و"الضبط" في محلّه أسّس القرآن منهج النظر. وحين اختلّ هذا التوازن، جُعلت الطلاقة في الغيب المحجوب، فبدّد العقلُ طاقته بغير جدوى، وتخبّط بين الآراء التي لا تجد لها مستندًا من العلم اليقيني، بدءًا من جعل الأفلاك عقولًا عند قدماء الفلاسفة، وصولا إلى العود الأبدي عند نيتشه وتعدد الأكوان عند إيفرت.

وفي مقابل ذلك جُعل "الضبط" فيما ينبغي أن يبقى طليقًا ليحقّق الإنسان من خلاله حريّته ومسؤوليّته الذاتية في دار الابتلاء. فصار آلاف طلبة العلم أتباعًا لمناهج في النظر مفصّلة ومنغلقة على نفسها، غير قادرين على الإبداع واكتشاف مسالك جديدة. وقد تنبّه الإمام ابن عقيل الحنبلي (513 هـ) إلى عقم قواعد المنطقيين هذه فقال مفضّلا الجدل المتحرر من قيود المنطق ومقدّماته: "وطريقة الجدل قد يجري فيها التغيير؛ لأنّها أوسع من طريقة المنطق من هذا الوجه، وطريقة المنطق أضيق؛ إذ كان لا يُسلَك إليها إلا من وجه واحد، والمِثْل في ذلك كمن قصدَ بلدًا فوجد طرقًا متشعّبة مشتبهة توصل إليه أيضا، فالذي على سُنن واحد أوضح لمن لم يرتض بالطرق المؤدّية، فأمّا المرتاض فيتقارب ذلك عنده في الإيضاح".

فتأمّلْ فضل هذه الآية، وعجيب ما في القرآن من هداية للعقل وإصلاحه.