ردود على شبهات (3)

ثالثا – الحروب والغزوات في الإسلام

1 - لما استقرَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة وتعهد الأنصار رضي الله عنهم بنصره وردِّ الأذى عنه رمتهم العرب واليهود قاطبة عن قوس واحد وتعرضوا لهم من كل جانب.

والله سبحانه وتعالى يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة فأذن لهم حينئذ في القتال ولم يُفرض عليهم، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: 39].

ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].

ثم فرض الله عليهم قتال المشركين كافة.

وهكذا كان القتال محرماً على المسلمين أول الأمر ثم صار مأذوناً به لمن بدأهم بالقتال ثم مأموراً به لجميع المشركين [زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية ج3 ص58].

هذه هي الخلاصة القيِّمة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى في مسألة الحرب والقتال في الإسلام، خلافاً لما يذهب إليه بعض الكتاب المحدثين من أنَّ القتال ممنوع على المسلمين إلا في حالة واحدة فقط هي ردُّ اعتداء الغير إذا بدأوا المسلمين بالقتال [من هذا الرأي الشيخ رشيد رضا صاحب تفسير المنار في تفسيره وفي كتابه: الوحي المحمدي، وأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه: العلاقات الدولية في الإسلام، وزميلنا الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه: آثار الحرب في الفقه الإسلامي].

وحجَّة هؤلاء إنَّ حروب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت كلها من هذا القبيل، أي: لردِّ اعتداء وقع أو يوشك أن يقع.

2 - والواقع أنَّ حروب النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي خاضها بنفسه ومع المسلمين أو السرايا التي كان يبعثها صلى الله عليه وآله وسلم للقتال يمكن تقسيمها إلى قسمين:

(الأول) حروب المسلمين مع قريش.

(والثاني) حروب المسلمين مع غير قريش.

أولا: حروب المسلمين مع قريش

3 - وكان في هذه الحروب يسمح صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين بالتعرُّض لقوافل قريش لأنه كان في حالة حرب معهم، وأخرجوا المسلمين من ديارهم، واستولَوا على أموالهم. ومن هذه الحروب التي كان فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتسمى الغزوات غزوة العشيرة، فقد خرج صلى الله عليه وآله وسلم في جمادى الآخرة على رأس ستة عشر شهراً من هجرته ليعترض عيراً لقريش كانت قد خرجت من مكة تريد الشام، فبلغ صلى الله عليه وآله وسلم مكان ذي العشيرة، وأقام فيها أياماً وصالح بني مدلج وحلفاءهم ولم يلق عدواً. [إمتاع الأسماع للمقريزي ص54-55].

وعند رجوع هذه القافلة من الشام خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون ليعترضوا هذه القافلة فبلغ ذلك أبا سفيان قائد القافلة فأرسل إلى قريش من يخبرهم بذلك ويطلب منهم النجدة فخرجت قريش بمقاتليها وأفلت أبو سفيان من أيدي المسلمين فأرسل إلى قريش يخبرهم بذلك ويطلب منهم الرجوع إلا أنهم أبَوا، وقالوا: لابدَّ من السير فالتقوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين قرب بدر، ووقعت المعركة المعروفة بمعركة أو بغزوة بدر، ونصر الله المسلمين على المشركين.

وغزوة أُحد كان سببها مجيء قريش بجيشها لقتال المسلمين وأخذ الثأر منهم. ومعركة الخندق كان سببها تحريض اليهود لقريش على قتال المسلمين. وفتح مكة كان سببه نقض قريش لمعاهدتها مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي مُعاهدة الحديبية كما هو معروف في التاريخ.

ثانياً: حروب المسلمين مع غير قريش:

4 - وقد خاض هذه الحروب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه المسلمون أو خاضها المسلمون دون أن يكون معهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان هو عليه الصلاة والسلام أرسلهم للقتال، وكان سبب هذه الحروب ابتداء المشركين للمسلمين بالقتال وتوجههم واستعدادهم للقتال.

ومن هذه الغزوات والحروب غزوة (سفوان)، وغزوة (ذي أمر بنجد)، وغزوة (بني المصطلق)، وغزوة (ذات الرقاع)، وغزوة (دومة الجندل)، وغزوة (تبوك). [انظر تفصيل هذه الغزوات وغيرها في كتاب: إمتاع الأسماع للمقريزي، وفي كتاب: السيرة النبوية للإمام ابن كثير، وفي سيرة ابن هشام، وفي زاد المعاد لابن القيم].

دلالة هذه الحروب:

5 - ولكن لا يمكن الاستدلال بتلك الحروب والغزوات على أنَّها الصورة الوحيدة للقتال في الإسلام إذ أنَّ هناك حالات أو صوراً أخرى للقتال أشار إليها ابن القيم رحمه الله في قوله: (ثم فَرض الله عليهم قتال المشركين كافة)، أي: سواء بدأوهم بقتال أو لم يبدؤوهم، ويؤيِّد ما يقوله الآية الكريمة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].

فهذه الآية الكريمة صريحة في حق المسلمين بل من واجبهم ابتداء الكفرة بالقتال إذا رفضوا إعطاء الجزية وجريان أحكام القانون الإسلامي عليهم.

قال الإمام الشافعي رحمه الله: (والصَّغار أن تُؤخذ منهم وتجري عليهم أحكام الإسلام) [مختصر المزني ج8 ص227].

وفي السنَّة النبويَّة ما يؤيِّد حقَّ المسلمين، أي: حق دولتهم الإسلاميَّة بالتعرُّض لغيرهم وإخضاعهم لسلطانهم وتطبيق القانون الإسلامي عليهم، فإن رفضوا ذلك قاتلوهم فقد وردت أحاديث نبويَّة شريفة يأمر فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمراء الجند عند توجُّههم إلى المشركين من أهل دار الحرب أن يدعوهم إلى الإسلام فإن أبَوا عرضوا عليهم أن يدفعوا الجزية – وهي عنوان الخضوع لسلطان الدولة الإسلاميَّة – فإن أبوا قاتلهم المسلمون حتى يخضعوا لسلطان الدولة الإسلاميَّة. [الخراج لأبي يوسف ص190، صحيح مسلم ج7 ص310].

ولا شك أنَّ هذا موقوف على قدرة المسلمين ابتداء الكفرة بالقتال أما مع ضعف المسلمين فحسبهم دفع اعتداء الكفرة عنهم.

6 - ولا يجوز الظن بأنَّ ابتداء المسلمين للمشركين بالقتال إذا رفضوا الإسلام أو إعطاء الجزية إنَّ هذا القتال وتسويغه للمسلمين هو نوع من الظلم والاعتداء على غير المسلمين أو إكراههم على اعتناق الإسلام..

لا يُظنُّ ذلك لأنَّ تسويغ ما قلناه هو ما جاءت به الشريعة الإسلاميَّة وتبريره أنَّه من قبيل ازالة المنكر من الأرض؛ لأنَّ بقاء الكيانات الباطلة التي تقوم على غير شرع الله هو بقاء لباطل ضخم في الأرض يجب أن يزول، وإزالته إما بالحسنى وقبول الإسلام، وإما بالقوَّة. والقوة تملكها الدولة الإسلاميَّة، فإذا ملكتها كان واجباً عليها إزالة هذه الكيانات الباطلة بالقوة عند الاقتضاء أو بالخضوع لسلطان الدولة الإسلاميَّة وجريان أحكام القانون الإسلامي عليهم، وعنوان ذلك قبولهم دفع الجزية، وليس ذلك إكراهاً لهم على الإسلام؛ لأنَّ دخولهم في الإسلام متروك لاختيارهم، فإذا اختاروه زالت الكيانات الباطلة، وإذا دفعوا الجزية صار الحكم للمسلمين وطبَّقوا شرع الله وتركوا الناس أحراراً، فمن شاء منهم دخل الإسلام، ومن شاء بقي على دينه، ودفع الجزية فلا إكراه في الدين.

7 – والخلاصة: فإنَّ من واجب الدولة الإسلاميَّة إذا كانت بقوة كافية أن تزيل كلَّ حكمٍ باطل في الأرضِ، وإخضاعه لسلطان المسلمين إذا رفض الإسلام أو الخضوع لسلطانه لأنَّ ذلك من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41].

وما قلناه تؤيِّده الفتوحات الإسلاميَّة في عهد الصحابة والتابعين لهم بإحسان [انظر تفصيل هذه المسألة في بحثنا بعنوان: الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام ص57 وما بعدها].

الحلقة السابقة هــنا

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

المصدر: المؤتمر العالمي الثالث للسيرة والسنة النبوية – الدوحة-1400هـ