رجال ومواقف: عبّاد بن بِشر شهيد اليمامة

(1)

عبّاد بن بِشر – أبو سعيد الخدري

أبو سعيد: والله إن أمر هؤلاء المرتدين لعجيبٌ حقاً يا عبّاد.

عبّاد: ولِمَ يا أبا سعيد؟

أبو سعيد: ما كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم "عبّاد يكرر الصلاة مع أبي سعيد" يتوفاه الله حتى سارعوا إلى الردة..

عبّاد: صدقتَ والله يا أبا سعيد "صمت قصير" تبّاً لهم.. لكأنما توهّموا أن الإسلام سيزول بموت محمد صلى الله عليه وسلم. "أبو سعيد يكرر الصلاة".

أبو سعيد: ما أكذبَ ما توهَّموا!..

عبّاد: هم اختاروا الردة، لكنَّ عليهم أن يدفعوا ثمن هذا الاختيار.

أبو سعيد: إي والله يا عبّاد!.. ما كان دين الله عز وجل لعبة يتلهّون بها، يسلمون يوماً، ويكفرون يوماً آخر.

عبّاد: معاذ الله يا أبا سعيد!.. دين الله أعظم وأجلُّ من ذلك.

أبو سعيد: "في صوتٍ خافت كأنه يناجي نفسه" إني لأرجو يا عبّاد أن يكرمنا الله عز وجل، فنرى جزيرة العرب جميعاً وقد خلصت للإسلام.

عبّاد: إن ذلك لكائنٌ بإذن الله.

أبو سعيد: "في صوت خافت" وبعد ذلك تنطلق جيوش المسلمين شرقاً وغرباً تحمل دين الله للناس لتُخرِجهم من الظلمات إلى النور.

عبّاد: وإن ذلك لكائنٌ بإذن الله أيضاً.

أبو سعيد: تبّاً لهؤلاء المرتدين، يريدون أن يعودوا إلى ظلام الجاهلية وأوهامها وقد أكرمهم الله بالإسلام.

عبّاد: هوِّن عليك يا أبا سعيد، أما ترى جيوش الصدِّيق وقد هزمت المرتدين في كل مكان؟ ولم يبقَ أمامها سوى عدو الله مسيلمة.. وإنه سيُهْزَم هزيمة مُنكَرة إن شاء الله.

أبو سعيد: إن شاء الله.

عبّاد: يا أبا سعيد..

أبو سعيد: نعم يا عبّاد.

عبّاد: لقد رأيتُ والله رؤيا أنا بها سعيد.

أبو سعيد: خيراً يا عبّاد؟

عبّاد: رأيتُ الليلة كأن السماء قد فُرِجت لي، ثم أطبقَت عليَّ.

أبو سعيد: وما تأويلك لما رأيتَ يا عبّاد؟

عبّاد: "في صوت هادئٍ رقيق" هي الشهادة إن شاء الله، هي الشهادة إن شاء الله.. "يبكي".

أبو سعيد: خيراً والله رأيتَ يا عبّاد.. هنيئاً لمن يُرزَق الشهادة.. "في صوت هادئ رقيق" هنيئاً والله له.. هنيئاً والله له.

(2)

أبو سعيد وحده

أمَا إن رؤيا عبّاد بن بِشر رؤيا حق.. وما أحسبه إلا سيفوز غداً بالشهادة، وإنه بها لجدير.. إي والله إنه بها لجدير!.. لأنظرنَّ إليه غداً ماذا سيفعل.. وما أراه إلا سيكون من فرسان المعركة الأبطال.. هنيئاً لك والله.. ترى أتكون هذه آخر ليلة لك في دنيانا هذه؟ غداً نرى ذلك إن شاء الله أكائنٌ هو أم لا؟

(3)

عبّاد بن بِشر – مُنادٍ من المسلمين – رجل من المسلمين - صوت

الصوت: يا معشر المسلمين الثباتَ الثباتَ!.. لا يهولنَّكم ما ترون من جيش مسيلمة!.. فوالله ليكونَنَّ لنا النصر المبين.

"يعود صوت المعركة فيعلو"

الصوت: يا معشر المسلمين لقد كشَفَنا جنودُ مسيلمةَ عن مواقفنا ثلاث مرات فاثبتوا يرحمكم الله!.. فإن النصر اليوم لِأثبَتِ الفريقين.

"يعود صوت المعركة فيعلو"

عبّاد: "في صوت متحمس" كشَفَنا جنودُ مسيلمةَ ثلاث مرات، والله ما يليق بنا هذا.

الرجل: إنه آخِرُ ما لديهم يا عبّاد، ولتكونَنَّ لنا الكَرَّةُ الآن بإذن الله.

عبّاد: "متحمساً" لا والله يا أخي.. ما ينبغي لنا إلا أن نقتحم على مسيلمة حديقته.

الرجل: لكنَّ في ذلك خطراً بالغاً ومشقةً كبيرةً يا عبّاد.

عبّاد: "متحمساً" وهل جئنا نجاهد في سبيل الله إلا لنركب متون الخطر؟ اسمع يا أخي..

الرجل: قُل يا عبّاد.

عبّاد: إني امرؤ أنصاري.. ولطالما كان الأنصار حُماةَ هذا الدين. سأصرخ الآن بالأنصار لنتميز عن جميع الناس ما يخالطنا أحد.

الرجل: ولِمَ ذلك يرحمك الله؟

عبّاد: عسى أن يظهر منا بلاءٌ بَيِّنٌ، فيقتدي بنا بقية المسلمين فيكون النصر..

الرجل: بارك الله فيك.. إنه لَنِعمَ الرأي.

"يعلو صوت المعركة"

عبّاد: "بصوتٍ عالٍ متحمسٍ مؤثر" يا للأنصار!.. يا للأنصار!.. احطموا جفون السيوف حتى لا ترجع إليها وتمَيَّزوا من الناس.. يا معشر المسلمين أخلصونا.. أخلصونا!..

"يعلو صوت المعركة مجدداً"

الرجل: "متحمساً" بارك الله فيك يا عبّاد.. ها هم الأنصار يتميزون عن الناس ما يخالطهم أحد.

عبّاد: "في صوت هادئ حنون" بارك الله فيهم يا أخي.. إنهم حقاً جند الإسلام.

"صوت المعركة يعلو"

الرجل: "متحمساً" أربعمئة من الأنصار ما يخالطهم أحد استجابوا لندائك يا عبّاد على رأسهم أبو دجانة، والبراء بن مالك.

عبّاد: "متحمساً" وأنا مع أبي دجانة والبراء بن مالك.

الرجل: "متحمساً" لنقاتلنَّ أشد القتال، ولنقتحمنَّ على مسيلمة حديقته عسى أن نفوز بالنصر "ثم في صوتٍ هادئٍ رقيق" وأفوز أنا بالشهادة في سبيل الله مصداقاً لِما كنت رأيتُ في النوم.

(4)

راوٍ يتحدث

الراوي: وانطلقت كتيبة الأنصار، فجاهدت في الله حق الجهاد، وبذلت نفوسها صادقة في سبيل الله، يحدوها حنين نبيل إلى نصر للمسلمين كريمٍ عزيز.. ويحث خطاها رجاءٌ كبيرٌ في الشهادة في سبيل الله طاهرةً وضيئة.

ومضى عبّاد بن بشر وأبو دجانة والبراء بن مالك على رأس الكتيبة المؤمنة الوفيّة يقاتلون أشد القتال.. حتى اقتحموا على مسيلمة الكذاب حديقته.. وانتهت المعركة عن نصرٍ كريم للمؤمنين.

أما عبّاد فقد تحققت الرؤيا التي فسّرها بالشهادة.. سقط شهيداً بعد أن أبلى أشد البلاء، وكثُرَت عليه الجراح، حتى إن وجهه النبيل غابت ملامحه لكثرة ما أصيب.. وحين مضى أبو سعيد الخدري يلتمس صاحبه عبّاد بن بشر لم يستطع أن يتعرف إلى جثمانه الطاهر إلا من علامةٍ كانت في جسده. اللهم ارحم عبّاد بن بشر، وأجزل له المثوبة والرضوان.

*****