رجال ومواقف: خالد بن الوليد والقادة.. يوم اليرموك

أرسل أبو بكر الصديق أربعة جيوش لفتح الشام، على رأسها أربعة من كرام الرجال، وعظام القادة؛ هم أبو عبيدة بن الجراح، وعَمْرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة.

ومضت الجيوشُ المؤمنةُ تصدع بنيان الإمبراطورية الرومانية، وتُعلِي حيث تمضي كلمة الحق، وترتيلَ القرآن، ودَوِيَّ الأذان.

وفكّر الإمبراطور الروماني هرقل ومن معه بالموقفِ الصعب، فعزموا على إرسال جيش ضخم هائل يبلغ تعداده قرابة ربع مليون مقاتل.. وحينَ بعثَ القادةُ الأربعةُ للخليفة الصدّيق بالصورة المخيفة قال رضي الله عنه: "والله لأشفينَّ وساوسهم بخالد!".. قال هذه الكلمة، وسارعَ إلى إنفاذها في الحالِ، وهو مَنْ هو في معرفة الرجال واختيارهم.

وكان خالدٌ يقودُ جيش المسلمين في العراق مجاهداً عَبَدَةَ النيران وأهل الوثنية.. وما كاد يتلقى أمرَ الصِّدِّيق بالتحول من العراق إلى الشام حتى سارع لإنفاذِه حالاً دون ريثٍ بعد أن تركَ طائفةً من جيشه مع المُثنّى بن حارثة على العراق.. واجتازَ البطلُ الشجاع بادية الشام سالكاً أصعب دروبها، وأشدها وحشة، وأقلَّها ماءً وعشباً ليصل بأقصى ما يستطيع إلى حيثُ يعسكِرُ القادة الأربعة في ديار الشام بانتظار قدومه.

وما كادَ يصلُ حتى نظرَ إلى مَنْ معه، وإلى القادةِ الأربعةِ وجيوشهم، فجعلَ الجميع في جيشٍ واحد، وأنجزَ بعبقريته النادرة تنظيمَه وتنسيقَه وإعداده للقتال في وقتٍ وجيز. ثم وقف يخاطب القادة الأربعةَ، ويخاطب المجاهدين جميعاً بقوله: "إن هذا يومٌ من أيامِ اللهِ لا ينبغي فيه الفخرُ ولا البغي، أخلِصوا جهادَكم، وأريدوا الله بعملكم، وتعالوا نتعاوَرِ الإمارة، فيكونُ أحدُنا اليومَ أميراً، والآخرُ غداً، والآخرُ بعد غدٍ حتى يتأمَّرَ كلُّكم".

كلماتٌ قلائل تلك التي هتف بها أبو سليمان، لكنها تُنْبِئُ عن عَظَمتِهِ وبراعتِه، ونبلِه وإخلاصِه، وحسنِ تصرفِه ساعةَ الشدة والضيق.

هذا يومٌ من أيامِ الله.. تلكم كانت بداية كلامه.. وما أروعها من بداية حكيمة صادقة ناصعة!. إن يوم اليرموك يومٌ من أيام الله.. وإذن فليكن فيه الصدقُ والصفاء، والطهرُ والإخلاص، والإنابة والإخبات.

إنه يومٌ لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي، ولا طلبُ الشهرة أو السمعة.. وكان أن بدأ أبو سليمان بنفسه قبل الجميع فحملها على ما دعا الناس جميعاً والقادةَ الأربعةَ إليه. لقد تنازل عن حقهِ الدائمِ في القيادةِ العامة، وجعل نفسه مثل واحدٍ من إخوته الآخرين.. وبذلك سدَّ سبيل الشيطان على الجميع أن يوسوسَ لأحدهم بما يُبعِدهُ عن جادة الصواب.

لا شك أنه موقف شهمٌ نبيل من أبي سليمان.. موقفٌ يكشف عن صدقه وإخلاصه من ناحية، وعن حصافته وبراعته من ناحية أخرى.. وكان القادة الأربعة الآخرون نِعمَ الرجالُ الأوفياءُ الصادقون.. لذا سارعوا يوافقون على ما اقترحه أبو سليمان.. وتركوا له القيادة في اليوم الأول.. وكان فيه النصرُ والتأييد.

ولم يكن ليفوتَ أبا سليمان أن الروحَ المعنويةَ في الجيش من أعظمِ أسبابِ الغلَبةِ والتوفيق.. وأن الجيش الشجاع يغطي بشجاعته على نقص الموارد والأسلحة والأغذية والعُدد، وأن ذلك كلَّه ينقلبُ عِبئاً على الجيش الجبان يُعجِزُهُ ويَؤوده.. وقد يَدَعُه للعدوِّ غنيمةً باردة.. لذا حرصَ أبو سليمان على أن يبثَّ القوة المعنوية في صفوف المسلمين.. فأمر المقدادَ أن يطوفَ بهم يقرأُ عليهِم آياتِ الجهاد، ويوصيهم بالصبر والثبات.

وما كان ليفوتَ أبا سليمان أن حركة هروبٍ صغيرةً يقوم بها رجالٌ قلائل قد تؤدي إلى كارثة للجيش كلّه.. لذا تراه يدعو نساء المسلمين ويأمرُهنّ بالوقوف وراء الجيش المسلم وفي أيديهِنَّ السيوف ويطلبَ منهن أن يقتلنَ كلَّ من يحاول الهروب.. وهي لفتةٌ ذكيةٌ بارعةٌ لا ريب أدّت دَورَها على أحسنِ ما يكون.

كان عددُ الجيش المسلم أربعين ألفاً، أما جيش الروم فقد كان يصل إلى حوالي ربعِ مليون.. إنه فرقٌ ضخمٌ جداً دفعَ أحدَ المسلمين إلى أن يقولَ: "ما أكثرَ الرومَ وأقلَّ المسلمين!".

وهي قولةٌ سيئةٌ مدمِّرةٌ قد تفعلُ في الجيش المسلم ما لا تفعله كتائب الروم.. لذا سارعَ أبو سليمان يكْبِتُها ويدفِنُها في الحال وهو يقول: "اصمت أيها الرجل! بل ما أقلَّ الروم!.. وما أكثرَ المسلمين!.. إنما تكثُر الجنود بالنصر، وتقلُّ بالخذلانِ لا بعددِ الرجال.. واللهِ لَوَدِدْتُ أن الأشقرَ براءٌ من تَوَجِّيه، وأنهم أضعفوا في العدد".

كلماتٌ وِضاءٌ عِذابٌ أكرِم بها! وأكرِم بقائلها!.. لقد وَدَّ البطلُ لو أن حصانه الأشقر الذي أضناه السفر المتواصل سالمٌ معافى، إذن لامتطى صهوتَه الشماء، ومضى في صفوفِ الروم لا يلوي على شيء مهما أضعفوا في العدد.

وبدأت المعركة عنيفةً ضارية.. وأنبلَ الرومُ في فيالقَ كالجبال، فوجدوا المسلمين أثبتَ منها وأرسى، ودار قتالٌ هائلٌ مرير.. وتراجع بعض المسلمينَ مذعورين فارّين فإذا بنساء الإسلام يستقبِلْنَهم هاتفاتٍ وفي أيديهن السيوف: إلى أينَ يا حُماةَ الإسلام وطُلابَ الشهادة!؟ فرجع الفارّون، وقد امتلؤوا بالحماسة والعزيمة.

ووقف عكرمةُ بن أبي جهل يهتف: "من يُبايعُ على الموت!؟" فبايعه أربعمئة من شجعان المسلمين، فاقتحمَ بهم لُجَجَ المنايا في اليرموك..

وانطلق أحد المجاهدين إلى أبي عبيدة بن الجراح فقال له: إني قد عزمتُ على الشهادة؛ فهل من حاجةٍ إلى رسولِ الله أبلغها حين ألقاه؟

قال أبو عبيدة: نعم، قلْ لهُ: "يا رسول الله إنا قد وجدنا ما وعدَنا ربُّنا حقاً". واندفع الرجل كالسهمِ وسطَ المنايا يَضرِبُ ويُضرَبُ حتى فاز بالشهادة.

لوحات فداءٍ رائعةٌ شامخةٌ رسمتها عزائمٌ مؤمنةٌ مُتّقِدة في اليرموك منها لوحةٌ لأبي سليمان وهو على رأس مئةٍ من جنوده لا غير ينقضُّونَ على مَيسرةِ العدو التي تبلغ أربعين ألفاً.. وهو يصرخُ عن بُعد: "والذي نفسي بيده!.. ما بقي مع الروم من الصبرِ والجَلَدِ إلا ما رأيتم، وإني لأرجو أن يمنحَنا الله أكتافهم".

مئةٌ يخوضون في أربعين ألفاً.. إنه لعجبٌ أيُّ عجب!.. ولكن لا، لِمَ العجب!؟ أليسَ يملأُ قلوبَهم إيمانٌ شامخٌ عظيم!؟ أليسوا طلابَ آخرةٍ وعُشاقَ شهادة!؟ أليسوا كتائبَ النور التي انطلقت لتُخرِج الناس من ليل الجاهلية المظلم الآثم إلى فجر الإسلام الوردي المضيء!؟

لقد كان اليرموك شاهدَ صدقٍ وعدلٍ على عظَمةِ الأمة المسلمة التي ربَّاها محمد صلى الله عليه وسلم.

مواقفُ فيها أحلى من الفجر، وأسطعُ من الشمس، وأمضى من العزم.. وقفها تلاميذ المدرسةِ النبويةِ الشريفةِ الذين صاغتهم سنواتٌ طوال في مكة المكرمة، والمدينة المنورة. اليرموك ملحمةٌ من ملاحِم الجهاد الإسلامي العاطر.. فيها كلُّ ما في الملاحم من بطولةٍ تفوقُ الخيال، وتسبقُ الأمانيَّ والأحلام، لكنها بطولةٌ صادقةٌ ليس فيها تهويل أو مبالغة. ألفُ كاتبٍ يكتبُ عن اليرموك، وألفُ قَصَّاصٍ يستوحي مواقفها، وألفُ شاعرٍ يستلهِمُ بطولاتها، ثم تبقى مِن بعدِ ذلك كالمَنْجَمِ البِكر والغابةِ العذراء.

مواقفُ في اليرموك مُضَمَّخةٌ بالطِّيب، معطَّرةٌ بالمِسك، ندِيَّةٌ غالية أثيرة.. كانت لرجالٍ هم قِمَّةٌ في الشجاعة والبطولة، والصدقِ والإخلاص، والعزمِ والإيمان.

*****

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين