رجال ومواقف: خالد بن الوليد والطريق الصعب

كان خالد بن الوليد على رأس جيشه في العراق حين جاءه أمر الخليفة أبي بكر الصدّيق بالتوجّه إلى الشام فوراً، ليكون أميراً على جيوش المسلمين الأربعة هناك التي كانت تتهيأ للوقوف أمام ربع مليون جندي من جيوش الروم في اليرموك.

كانت المهمّة المطلوبة من خالد غاية في الخطورة.. فجيوش المسلمين في الشام ومعها مَنْ رحَل مع خالد من العراق عددها جميعاً أربعون ألف مجاهد فحسب!.. تتصدّى لذلك الجيش الروماني الضخم اللهام.. لكنَّه كانت هناك مشكلة ضخمة أمام خالد، عليه أن يتغلّب عليها، ويجِد لها الحل الحاسم السريع. تلك هي: كيف يصل من العراق إلى الشام بأقصى سرعة، من أجل اللحوق بالجيش هناك قبل بدء المعركة!؟

التمس خالد بن الوليد الأدِلّاء سائلاً عن أقرب الطرق إلى الشام، فدله الناس على رافع بن عميرة الطائي الذي كان من أمهر الأدِلّاء في الفيافي المُقفِرة.. وبيّنَ رافع لخالد أن هناك عدداً من الطرق يمكن له أن يسلكها باتجاه الشام. وثمّة طريق سهل، موفور الماء، كثير الرزق، لكنه مزدحم بالسكان.. وطريق ثانٍ قليل السكان، موفور الماء، ولكنه طويل بعيد.. وطريق ثالث وعر، قليل الماء، غير مطروق، لكنه أقصرها جميعاً.

وفَكّر القائد العبقري الفذ، وأطال النظر في الموقف الصعب!.. إن الطريق الأول سهل موفور الماء، موفور الأرزاق، لكنه مزدحم بالسكان الذين قد يقاتلونه في أثناء رحلته.

وما كان خالد ليخاف قتال هؤلاء، لكنه كان حريصاً على الوصول بأسرع وقت إلى حيث يحتشد المسلمون في اليرموك.. ومثل هذا الطريق بمثل هذه الظروف سيؤدي إلى تأخر البطل وامتداد الرحلة، وهو عكس ما كان يريد؛ لذا سارع خالد بن الوليد يرفض سلوك هذا الطريق على الرغم من إغرائه، وميل النفس إلى الرحيل عبره لأنه سهل مطروق، كثير الماء، وافر الرزق.

أما الطريق الثاني فقد كانت له ميزة كبيرة، إنه موفور الماء، وقليل السكان.. وهذا شيء هام لجيش يرحل صوب هدف كبير، ويتحاشى الصدامات الجانبية التي تعوقه عمّا يريد. فالماء كثير، والماء في الصحراء مادة الحياة.. ثم إن السكان قلة نادرة.. مما يجعل الجيش المرتحل بمنجاة عن مشاكل قد تنجم من مروره عليهم.. وإذن فإن لهذا الطريق إغراءً كبيراً لسلوكه.. لولا أنه طويل بعيد. وسارع خالد بن الوليد يرفض سلوك هذا الطريق على الرغم من مزاياه لأنه يخشى من طول الرحلة.

بقي الطريق الثالث، وهو صعبٌ موحِش، وَعِرٌ مخيف.. غير مأهولٍ ولا مطروق، لكنه أقصر جميع الطرق. وظهرت ميزة القصر هذه بإغرائها الكبير لخالد بن الوليد واضحة ماثلة، فما تردد البطلُ في أنْ عَزَم على سلوك هذا الطريق الأخير على الرغم من جميع الصعاب الأخرى.. ذلك أنَّ ميزة القِصر كانت تهيئ لخالد أن يصل مبكراً إلى الشام قبل نشوب المعركة.

كانت الطريق التي اختارها خالد غاية في الخطورة، بحيث يدل اختياره لها على روح المغامرة التي كانت تسري في أعماقه، وتأبى إلا أن تَظهرَ بين الفينة والأخرى على الرغم من حرص القائد أن يُجَنِّبَ جنودَهُ المهالك.

ويمكن لك أن تدرك ذلك جيداً حين تسمع وصف الدليل رافع بن عميرة الطائي لتلك الطريق، لتعلم أي موقف صعب مخيف عزم خالد على اتخاذه. قال رافع لخالد: "إنك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال.. والله إن الراكب الفرد ليخافها على نفسه وما يسلكها إلا مغرور.. إنها لخمس ليالٍ لا يصاب فيها ماء مع مضلّتها!".

لا شك أن كلمات رافع مخيفة مرعبة، وإنها تكفي لِبَث الرعب في أشجع القلوب وأثبتها ما لم يكن لها من الله عاصم.. خمس ليال طوال في صحراء قاحلة مخيفة ما يسلكها إلا مغرور كما عبّر الدليل نفسه، يخافها المرء المنفرد مع حُسن استعداده، وكثرة ما معه من ماء وزاد.. ثم هي صحراء يعلن الدليل نفسه أنه قد يضل فيها. والماء في الصحراء مادة الحياة الأساسية، ومن يفقدها يفقد الحياة..

لكن خالداً رضي الله عنه عزم على سلوك هذه الدرب المخيفة على الرغم من كل تلك الصعاب مستعيناً بالله عز وجل، متوكلاً عليه، متخذاً ما بوسعه من الأسباب التي يقدر عليها. قال خالد لرافع: "إن القوة تأتي على قدر النية، وإن المسلم لا ينبغي له أن يكترث بشيء يقع فيه مع معونة الله عز وجل".

وحين رأى الدليل تلك العزيمة الخالدية الشجاعة قال: "أكثروا من الماء، ومن استطاع منكم أن يصر أذن ناقته على ماء فليفعل.. فإنها المهالك إلا ما دفع الله". ثم طلب عشرين ناقة عظيمة سمينة فلما أُتِيَ بها أجهدها عطشاً، ثم أورَدَها الماء فشربت حتى امتلأت، وعند ذلك قطع مشافرها ثم كممها حتى لا تجترّ ما عندها من ماء!.

ورحل خالد، ورحل الجيش عبر الصحراء، وفي كل يوم تُذبح أربع من هذه النوق فيؤخذ ما في بطونها من ماء فيشرب الناس، ويسقون خيولهم، ويواصلون المسير.

وبعد خمس ليال، ذُبِحت النوق العشرون جميعاً، ونفد الماء من الجيش الذي كاد يقطع الطريق إلا بقية منه، والعطش مخيف مرعب، وهو في الصحراء أرعب من مخيف، وأخوف من مرعب!. وللصحراء رهبتها المخيفة، ووحشيتها المرعبة.. وما أصعب ذلك! وما أشقَّه لمن نفد ما عنده من ماء!.

وقال خالد لرافع: ويحك.. يا رافع ما عندك!؟ فأجاب رافع الذي كان قد أصيب بالرمد: "أدركت الريّ إن شاء الله!".. ثم هتف بالعطاش حوله: "انظروا، هل ترون شجيرة من عوسج كقعدة الرجل!؟" ونظر القوم، وأعادوا النظر، وبحثوا وأعادوا البحث دون أن يظفروا بشجيرة العوسج تلك.

عندها هتف رافع يائساً حزيناً: "هلكتم والله إذن، وهلكتُ لا أبا لكم.. انظروا انظروا!".. وطفق القوم ينظرون، وانطلقوا يبحثون، واشتدوا في البحث والتفتيش فإذا بهم يجدون الشجيرة، وقد قطِعت وبقيت منها بقية: فلما رآها المسلمون كبّروا، ثم حفروا بجوارها.. فإذا بالماء ينبع ثراً عذباً.. فشربوا، وسقوا إبلهم وخيولهم، ونجّاهم الله من شر كبير.

مغامرة لا شك مثيرة تلك التي قام بها خالد.. شاء الله عز وجل أن تنتهي بالنجاح.. وأن يصل إلى اليرموك بمن معه ليخوضوا معركة هائلة كُتِب فيها للمسلمين الفوز المبين.

كان خالد أمام موقف صعب حين عزَم على اختراق بادية الشام: أيسلك أحد الطريقين الطويلين حيث يتوافر الماء والرزق!؟ أم يسلك الطريق الوجيز الوعر حيث قلة الماء والأرزاق!؟

في أحد الطريقين الطويلين يكون الأمن لكنَّ الوصول إلى المعركة سيكون متأخراً. وفي الطريق الوعر القصير تقل مدة الرحيل، ولكن تعظم الأخطار.. وهل يخاف خالد من الأخطار!؟ وهل كان بوسعه أن يفعل ما فعل من بطولات عجيبة غريبة لو أنه آثر السلامة وابتعد عن المجازفة!؟

عرف أن عليه الوصول بأقصى سرعة إلى الشام.. وإذن؛ فليسلك الطريق الوعر القصير. وعرف أن عليه أن يتخذ الأسباب التي يقدر عليها ففعل.. وإذ تم له ذلك، توكل على الله عز وجل ومضى ولم يتردد، وانطلق ولم يُحجِم، مستعيناً بالله عز وجل، بادئاً من حوله وقوته وتدبيره، إلى حول خالقه وقوته وتدبيره.. وكان يعلم أن العزيمة ردء عظيم لا يكل، وسلاح قوي لا يفل.. لذا كانت قولته لرافع: "ويحك إن القوة تأتي على قدر النية"..

كان ما فعله خالد من اجتياز الصحراء مغامرة شجاعة كبيرة، لكنها لم تكن مغامرة حمقاء جاهلة، بل كانت مغامرة عاقلة مؤمنة، اتخذ من أسبابها ما يقع تحت مقدرته، واستعان بالله عز وجل.. فكان أن نجَحَت، ولنعم المغامرة ما صنع خالد! ولنعمت المغامرات حين تكون من هذا القبيل!.

أيها القائد العبقري المؤمن!.. إن موقفك في اجتياز الصحراء درس شجاع لكل القاعدين والمتواكلين الذين أخلدوا إلى الأرض، واستناموا إلى الكسل، وآثروا الدّعَة والخمول، يهمس في آذانهم أنهم ليسوا بالرجال!.

*****

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين