دمشق العلم والقران رسوخا في العقيدة كالجبال برغم انوف اركان الضلال

نشأت في دمشق ، عرفت علماءها، وكبراءها ، ثم سافرت في البلاد ، ولا أبالغ إن قلت : قليل ما ترى في البلاد مثل دمشق ..

كان يومًا أنني أصبت بنغزات قلبية ، فسألت أحدهم عن طبيب متخصص قريب من مكان الدرس ، فأرسلني إلى الدكتور سامر النص الحائز على شهادة البورد في أمراض القلب، وجراحتها ، وعندما دخلت العيادة قبل الموعد بساعة سمعت تلاوة للقرآن الكريم ، وكأنها تلاوة حية، وليست مسجلًا ، فنظرت إلى مرافقي متسائلًا؟ فأجابني بالنفي .. أي لا يعلم ..

علمت فيما بعد أن الصوت هو لطالب يجمع القراءات القرآنية العشر غيبًا على الدكتور في فترة الاستراحة ، وعلمت أيضًا أن هذا الطبيب يؤم الناس في صلاة التراويح في جامع المرابط يقرأ ختمة كاملة ، من، ويحفظ القرآن كفاتحة الكتاب، وهو صهر العلامة المقرئ شيخنا، وشيخ مشايخنا المتقن محمد طه سكر .. أرسلني الطبيب لإجراء بعض التحاليل، وكان قدرًا أن أجريها في مخبر” علبي وبزرة” دخلت يومها لأرى شيخنا الدكتور خالد العلبي المقرئ الحافظ الجامع إمام مسجد التوبة ،وأستاذ كلية الطب الفقيه الشافعي يقوم بأخذ التحاليل للمرضى لأنه هو صاحب المخبر ..

وكان أن حضرت مرة حفلًا في جامع الإيمان يكرمون فيه الطلاب الذين جمعوا القراءات القرآنية، وإذا ثلاثة منهم في السنة نفسها هم الأوائل الثلاثة في كلية الطب بلا منازع ..

وقبل أن تقول وأين العجب ؟

أبادر فأقول :

لاعجب إن كانت هذه نوادر في الناس، لكن العجب أن تكون هي السنة المضطردة فيهم والكثرة الوافرة .

قد تشاهد المستحيلات الستة ، لكن لا يمكن أن تشاهد عائلة شامية أصيلة إلا وفيها أكثر من حافظ للقرآن الكريم، أو عالم، أو داعية ..

كثيرًا ما ترى حافظًا، أو جامعًا للقراءات العشر، أو إمامًا، أو خطيبًا، أو داعية ، وهو طبيب، أو مهندس، أو محام، أو قاض، أو بائع لحم، أو نجار… يأكل من كسب يده، ويتقوت من عمله، وعرق جبينه ..

كان ابن أبي أصيبعة طبيبًا مؤرخًا عالمًا ، وكان الشيخ على الطنطاوي الأديب الفقيه، قاضيًا، ورئيس محكمة، وكان الشيخ العلامة أبو اليسر عابدين طبيبًا، ومفتيًا لسوريا ، وكان أبو عثمان الدمشقي طبيبًا عالمًا، وكان شيخ مشايخنا الشيخ صالح فرفور نجارًا ، يأكل من كسب يده، وكان تلميذه شيخنا الشيخ عبد الرزاق الحلبي المقرئ الجامع، والعالم العامل شيخ الشام، عاملًا في معمل سجاد عند أخواله، وابنه الشيخ العالم الدكتور سالم الحلبي الحاصل على البورد من أمريكا أهم طبيب جراح للأعصاب في سوريا بل والعالم العربي .. وكان العلامة شيخنا أديب الكلاس طيانًا، وابنه العالم الفاضل، والمهندس الكهربائي الفقيه الداعية أحمد الكلاس ، وكان إمام المسجد الأموي الكبير الشيخ نزار الخطيب بائع قماش في سوق الحرير بجوار المسجد الجامع يخرج من الدكان ليؤم، ويخطب الناس في المسجد بني أمية الكبير المعروف ، ثم يعود إلى دكانه ..

كذا كان الشيخ محمد سكر بائع قماش، وكان من طلابه الدكتور سامر النص، والدكتور أحمد تقي، والدكتور عادل أبو شعر، والدكتور خالد العلبي، وكثيرون ، وكان الشيخ خليل هبا، والشيخ أحمد هبة كذلك ، من أعظم شيوخ القراء في دمشق، رحمهم الله ..

كان شيخ مشايخنا الشيخ أبو الحسن الكردي رحمه الله تعالى “جزار بقر” وكان مع ذلك حافظًا جامعًا أخذ عنه أكابر القراء اليوم منهم الدكتور أيمن رشدي سويد، والدكتور أيمن دعدع ،والدكتور حمامي، والزعبي، وكرزون، والطباع، وبركات وغيرهم ..

كان معظم طلابهم، وتلاميذهم أصحاب شهادات علمية، واختصاصات دنيوية، وأعمال تجارية ، لذلك كانوا أعزة ..كلمتهم من رأسهم ، لهم منزلة عند الناس، ومحبة، وإجلال لتعظيمهم ما بينهم وبين الله تبارك وتعالى.

هؤلاء كلهم ليسوا عبق التاريخ بل، ممن عاصرناهم، وقرأنا عليهم ..

كانو يجمعون الدنيا والدين ليكون احدهم يدا عليا لا يدا سفلى وهو مكمن يجب ان يتقنه طلاب العلم .

أما عن التاريخ فهذه دمشق الشام التي خرجت الإمام النووي، والإمام ابن عساكر، والإمام الذهبي، والإمام ابن تيمية، وابن كثير، وابن النفيس والفارابي ، وابن قيم الحوزية، والحافظ المزي، والغزي ،والسبكي، وغيرهم من أئمة الدين والدنيا ..

تلكم هي الشام التي خرجت عشرات آلاف العلماء، والدعاة، وأرسلتهم إلى الدنيا شرقًا، وغربًا، فلا تكاد تزور بلدًا إلا، وفيه عالم، أو داعية، أو إمام تخرج في دمشق ..

تلكم الشام الضاربة الجذور في العقيدة، والرسوخ رغم ما مر عليها من صنوف المستعمرين من التتار إلى المغول إلى الحملات الصليبية إلى الاحتلال الفرنسي .

ذهبوا جميعًا وبقيت دمشق ..

تلكم الشام عاصمة بني أمية التي خرجت منها فتوح المغرب العربي ابتداء من مصر، وانتهاء بالأندلس ..

تلكم الشام التي سطرت أخيرًا ملحمة صمود في وجه الدنيا بأكملها، المتآمرة على الشعب، والناس، وكتبت رسالة للدنيا كلها إننا لانهزم ننتصر، أو نموت ..

تلكم الشام التي أرادوا ضرب حاضرها لقطعه عن ماضيها، وتشريد أهلها، وتفريقهم في البلاد. .

كانت الشام رغم كل ذلك الظلم ،والبغي، والتسلط، والطغيان، والقبضة الأمنية، تخرج سنويًا آلاف الحفاظ، والعلماء، والدعاة،

خرج من خرج من العلماء هربًا منها بنفسه، ودينه ، فأسسوا المصانع، والمعامل، و المدارس، والكليات، والمعاهد، والمؤسسات في مختلف البلاد أكثر بخمسين مرة مما كان متاحًا لهم في دمشق ولله الحمد، وسيعودون إن شاء الله لبناء صرح جديد وان طال الزمن ..