دعوى تعطيل القوامة باستغناء الزوجة

الحمد لله القائل: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن) وصلى الله وسلم على سيدنا محمد القائل: (خير النساء التي إذا نظرتَ إليها سَرَّتْك، وإذا أمرْتَـها أطاعَتْك، وإذا غِبْتَ عنها حفظَتْك في نفسها ومالها) وتلا هذه الآية (الرجال قوامون على النساء) (1) وعلى آله وأصحابه، وبعد:

فقد أرسل لي بعض الفضلاء ورقة فيها بحث لبعض الكُتَّاب في معنى القوامة التي قال الله تعالى: (الرجال قوامون على النساء) وذكر فيها: أن المرأة إذا استغنت بوظيفتها عن مال زوجها، وبالقانون عن حراسته، وبالمجتمع الواعي عن عنايته: فحينها لا يكون للرجل قوامة عليها.

ثم ذكر أن هذا ليس بإيقاف ولا مخالفة للنص القرآني، بل هو فهم له، كفهم عمر رضي الله عنه في سهم المؤلفة قلوبهم حتى أوقف العمل به للاستغناء عن تألُّف قلوب الناس بعز الإسلام.

وذكر أيضا في ورقته: أنا نعمل بمفهوم القوامة حيث احتاجت المرأة لرجل ينفق عليها، وإلا فلا يطلب النص الديني أن نُعمله عند عدم الاحتياج.

ولنا على هذا المعنى الذي يحاول تقريره نظر، من وجوه تشهد لعدم اعتباره، منها: أن قياس القوامة على سهم المؤلفة قلوبهم لا يتم له، لأنه مع الفارق؛ فإن من شرط إيقافه –على التنزل بجواز إيقافه- أن يباشره ولي الأمر كما باشر عمر تعطيل سهم المؤلفة، وإلا كان افتياتا على الشرع.

ولأن تركه لرأي الناس يفضي إلى تحكُّم الأهواء والتخبُّط في استعماله بما يوقع الفساد في المجتمع، لفساد بيوت الناس باختلال نظام القوامة الذي به ينتظم أمر الأسرة.

وهذا ظاهر لعدم وجود من يلي مباشرة ذلك من الولاة العدول، ولهذا قال الحافظ ابن حزم في (المحلى): (وأمرُ المؤلَّفة إلى الإمام لا إلى غيره) فقياس القوامة عليه يقتضي أن يلي مباشرته الولاة كسهم المؤلفة، وهذا معدوم فينعدم مقتضاه وهو حكم الفرع لثبوت الفارق.

ثم الوصف الجامع في سهم المؤلفة عز الإسلام وهو متحقق زمان عمر تحقُّقا تاما ظاهراً يتحقق معه انتفاء الحاجة إلى التألُّف، وأما في القوامة فالعلة مختلفة وهي المنصوص عليها بقوله (بما فضَّل الله به بعضكم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) فلا يتم القياس لاختلاف العلتين.

وإنما أخطأ الكاتب من جهة توهمه أن العلة استغناءُ الإسلام عن تألُّف الناس كي يسلموا، فألحق به استغناءَ المرأة عن نفقة زوجها، فطرد حكم الأصل وهو تعطيل سهم المؤلفة، في الفرع وهو القوامة، واستنتج حكما هو تعطيل القوامة، وهذا غلط ظاهر، فإن الاستغناء حكمة الحكم وليس علة له.

وقد ذهب طوائف من الفقهاء منهم الشعبي ومالك والشافعي وأصحاب الرأي إلى أن سهم المؤلفة انقطع بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله أعز الإسلام وأغناه عن أن يُتألَّف عليه رجال، فلا يعطى مشرك تألُّفا بحال، وهذا لأن العلة عند الجميع عز الإسلام ورفعته، فرأوا أن الحكمة من التألُّف وهي دعوة الناس للإسلام لم تعد باقية، لأن الناس يسلمون بغير تألُّف في زمانـهم، ولهذا قال عمر: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).

والصحيح أن الحكمة باقية لبقاء العلة فالحكم باق، لأن تعطيل عمر للمؤلفة كان مؤقتا، بدليل أن سببه عاد وهو تألُّف الناس على الإسلام لتقهقر المسلمين واستقواء العدو، فوجب أن يعود الحكم بعوده، ولهذا قال ابن حزم في المؤلفة: (بل هم اليوم أكثر ما كانوا)!

وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم شرعا معلقا بسبب، إنما يكون مشروعا عند وجود السبب: كإعطاء المؤلفة قلوبهم؛ فإنه ثابت بالكتاب والسنة، وبعض الناس ظن أن هذا نسخٌ، لما روي عن عمر أنه ذكر أن الله أغنى عن التألُّف، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وهذا الظن غلط؛ ولكن عمر استغنى في زمنه عن إعطاء المؤلفة قلوبـهم فترك ذلك لعدم الحاجة إليه؛ لا لنسخه، كما لو فرض أنه عدم في بعض الأوقات ابن السبيل والغارم ونحو ذلك).

فسهم المؤلفة متعلق بسبب، زال زمان عمر فعدم الحكم لعدم سببه، وأما القوامة فسببها النكاح فلا تزول إلا بانحلال عقدة النكاح، وبه يدرك وجه الخلل عند الكاتب الفاضل.

فإن قال الكاتب: أنا قلت بتعطل القوامة حال العجز عن النفقة، والفقهاء منهم من يقول بفسخ النكاح، فقولي أهون وهو بقاء النكاح لكن بلا قوامة، قيل له: قولك خطأ وقولهم صواب، من وجوه:

الأول: أن الجمهور لم يوجبوا الفسخ، بل جعلوه حقا للمرأة، والغالب إن وجد الود والسكينة في النكاح، استدامة النكاح وعدم رغبة الزوجة بطلب الفسخ، وإن كان النكاح خاليا عن ود وسكينة فهي ستطلب الفسخ أو هو يطلقها -كما هو المشاهد- بلا حاجة للاعتذار بالعجز عن النفقة.

الثاني: أن أبا حنيفة خالفهم فذهب إلى امتناع الفسخ لقوله تعالى: (فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) فالكل متفقون على أصل وهو بقاء القوامة ببقاء النكاح سواء عجز عن النفقة أم لا، فجئت أنت بقول ينقض أصلا مشتركا عليه بين القولين، وهو بقاء النكاح مع عدم القوامة حال العجز، وهذا باطل لما تقرر في الأصول من عدم جواز إحداث قول ثالث ينقض أصلا مجمعا عليه بين القولين.

الثالث: أن قول الجمهور منضبط بالأصول، فإنـهم قرروا حق الفسخ لتحقق علته وهي العجز عن النفقة الذي ينتفي معه وصف القوامة فينتفي معه النكاح، فهم جعلوا القوامة من لوازم النكاح، إذ يتصور نكاح بلا قوامة، لكنهم لم يوجبوا الفسخ مراعاة لاستدامة النكاح، فجعلوه حقا للزوجة إذا طلبته، لأن العجز عن النفقة مظنة أن تنشب بين الزوجين نزاعات تستوجب حل عقدة النكاح، لكن لم يقل أحد بزوال القوامة مع بقاء النكاح، لأنه فاسد من جهة أن القوامة وصف ملازم للنكاح لا ينفك عنه إلا بانحلاله.

وأما القول الذي اخترعته فهو مناقض للأصول كما مر تقريره، فإنه قياس فاسد لم تتحقق علته، مع كونه يصادم نص الكتاب القاضي ببقاء القوامة ما بقي النكاح، ولو كان يسوغ انتفاء القوامة حال العجز عن النفقة مع بقاء النكاح، ما شرع الله الطلاق والفسخ بالعجز، ولا قرر الفقهاء فروع الفسخ بالعجز عن النفقة أو الجماع، ولكان يمكنهم أن يقولوا ببقاء النكاح بلا قوامة حال العجز!

وأيضا فإن هذا القول بتعطل القوامة في حق من استغنت براتب شهري، لو ساغ لكان يسوغ في عصر السلف الأول، لقيام المقتضي له وهو ما ذكره الكاتب من وعي المجتمع وضمان قانونه لحقوق النساء، فإن على عهد السلف كان المجتمع واعيا والناس معروفون بصلاحهم ودينهم وتقواهم في الحقوق، وقانون الشرع نافذ ولو ذهبنا نسرد لك الأخبار في هذا المعنى لطال المقام وخرجنا عن المقصود.

ومع هذا لم يقل أحد بإيقاف أصل القوامة بمجرد العجز عن النفقة مع بقاء النكاح، مع قيام المقتضي له في عصرهم، لأن النكاح والقوامة متلازمان لا ينفك أحدهما عن صاحبه إلا بانحلال النكاح كما تقدم، فلا يسوغ القول بـهذا في زماننا لأن المقتضي غير قائم أصلا؛ لفساد أحوال الناس وعدم انضباط القانون وضمانه وقصور الوعي المجتمعي بسبب التغريب الذي تسرب إلى نظام الأسرة والمجتمع.

وقد تقرر منع إحداث قول كان المقتضي لإحداثه قائما على عهد السلف ولم يقولوا به، إلا إذا تحققت منه مصلحة عامة قطعية، فكيف والقول بتعطيل القوامة مؤقتا لا مصلحة فيه، بل المحقق فيه المفسدة كما يأتي.

وأيضا فهذا القول بتعطيل القوامة مع أنه لم يقل به أحد من السلف وهو من لوائح بطلانه، فإنه يبطل بنفس نص القوامة، لأن مقتضاه أن تكون المرأة قائمة على نفسها مع وجود زوجها، وهو خلاف النص الذي حصر القوامة في الرجل، فإن المبتدأ المعرف بـ (ال) في قوله (الرجال) حُصر في خبره وهو (قوامون) حصراً إضافيا، ومقتضاه أن القوامة للرجال دون النساء، ولازمه امتناع قوامة المرأة على الرجل، وامتناع خلوها عن قوامته حال وجوده زوجا لها، فبقيت قوامتها على نفسها حال خلوها عن زوج أو ولي، وهو مسكوت عنه لأن حكمه متقرر لا إشكال فيه، فبطل القول بإلغاء قوامتها حال وجود زوج لها سواء كان عاجزاً عن نفقتها أم لا.

وأيضا فإنما أوقف عمر سهم المؤلفة عن عموم المتألَّفين، بعلة ظاهرة منضبطة وهي عز الإسلام وقوته، فلهذا يعم كل من يراد إسلامه من الكفار، فإمكان توقفه منضبط لا يفضي إلى فساد وتحكُّم الأهواء، لأن أمره منوط بولي الأمر إذ مصرف الصدقات إليه.

وأما القوامة: فلم تتحقق علتها في كل النساء بوجه منضبط، بل أقل النساء من تستغني بمعاشها عن نفقة زوجها، ومع هذا فعامة النساء الموظفات لا يكفيهن معاشهن كما هو الواقع، وتحتاج إلى إنفاق زوجها عليها، وأقلهن من تسهم معه في النفقة وتعاونه في تكاليف المعاش، فلو فتح هذا الباب لأفضى إلى فساد منتشر في الناس باضطراب الأسرة واختلال نظامها، وهذا خلاف مقصد الشارع بقين.

فلو قُدِّر أن امرأة امتنعت عن القوامة بما ذكره الكاتب الفاضل، فإنـها ستمتنع عن طاعته وتلبية دعوته إياها إلى فراشه وخروجها بإذنه ودعوتـها من تشاء إلى بيته وامتناع القيام بشؤون أولاده وغير ذلك من حقوق القوامة، ولا ريب أن الرجل تثور فيه نوازع الخلاف بمقتضى الرجولة التي هي أصل القوامة، فتضطرب الحياة بينهما وتنشب النزاعات فيؤول الأمر للفراق، وتاليه: الطلاق!

ولك أن تتخيل إذا انتشر هذا المفهوم المناقض لمقاصد الشارع في أذهان النساء، فإنه يُفسد ما بين الزوجين أشد مما أفسدت البرتقالة! وبه يعلم مناقضة هذا الاجتهاد لأصل مقصود الشارع من دوام النكاح وكونه سكنا وألفة للزوجين، بل تصبح بيوت الناس كبيوت العُزَّاب، لا يكاد يمر عليها وقت بلا خلاف أو نزاع أو عراك!

ويضحى البيت كسفينة كثر ملَّاحوها فآلت للغرق، وقد قال الحافظ أبو محمد الرَّامَهُرْمُزي في كتاب (الراوي والواعي): حدثني أحمد بن يزيد السوسي ثنا محمد بن عبد الرحمن التيمي ثنا هانئ بن سُكين العبسي قال: سمعت سفيان الثوري وذُكر عنده كثرةُ الـمُحَدِّثين، فقال: (أوليس قد يُضرب مَثَلٌ: إذا كثُرَ الملَّاحون غرقت السفينة)! ونظيره في أمثال العامة: إذا كثر الطباخون احترق الطعام!

فمن أطلق تعطيل أو إيقاف أصل القوامة الذي به قامت الأُسر والبيوت، وعليه تأسست المجتمعات المنتظمة، فقد قال ما لا يعرف، ولم يتصور ما يقول، لأنه بناه على تصور ساذج، وهو أن استحقاق القوامة كان بمجرد إنفاق الرجل على المرأة!

وهذا غلط، فإن القوامة استحقت بمفهوم مشترك بين النفقة وتأهُّل الرجل لها بمقتضى تفضيله ببعض الصفات الرجولية، فتمييزها بالإنفاق خطأ ظاهر، لما تقرر في الأصول أن الدال على ما به الاشتراك لا يدل على ما به الامتياز، فمن رام تحديد مفهوم القوامة بمعنى يحصرها فيه، لزمه إقامة دليل من خارج، وإلا فهو تحكُّم فاسد.

ولو قُدِّر أن اجتهاد الكاتب صواب، وأن القوامة تتعطل باستغناء المرأة عن إنفاق زوجها عليها بما لها من معاش، وبما قال إنه وعي المجتمع وقانونه -وهو وصف طردي غير منضبط لا يصح نوط الحكم به- فغايته أن جزءاً من أجزاء مقتضيات القوامة توقف، فينبغي بمقتضى العدل أن لا تتعطل القوامة كلها، بل يتوقف جزء منها، لأن الشارع علل حكم القوامة بعلتين: التفضيل والإنفاق، وقد تقرر أن الحكم إذا نيط بعلل لم ينتفِ بانتفاء بعضها.

ولهذا لم يقل: (بما فضلهم عليهن) لأنه يقتضي إطلاق الفضل وهو خلاف الواقع، فرب امرأة أفضل من بعض الرجال، كما قال المتنبي:

ولو كُنَّ النساءُ كمن دفنَّا .... لفُضِّلَت النساءُ على الرجالِ

فلا التأنيثُ لاسم الشمس عَيْبٌ...ولا التذكيرُ فخرٌ للهلالِ

ولأن التعبير بالبعضية يفيد أن التفضيل مشترك، فللرجال فضل من وجوه، وللنساء فضل من وجوه أخرى، واستحقاق القوامة للرجل على المرأة إنما كان من جهة مناسبة وجوه تفضيله على المرأة لنيل القوامة، كما أن الحضانة استحقاق للمرأة من جهة مناسبة وجوه تفضيلها على الرجل لها، ولهذا صدَّر الآية التي قبل آية القوامة بالنهي عن تمني الجنسين ما للآخر من الفضل، وأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم بسؤال الله من فضله.

ولهذا يلزم من يرى إسقاط القوامة بمجرد الإنفاق أن يسقط حق المرأة على الرجل بذلك، لأن الحقوق متقابلة، فإذا سقط حق سقط ما يقابله، وبهذا يختل نظام المجتمع، ولهذا لم تكن القوامة سلطة محضة، بل هي نوع مشاركة بين الجنسين، وقد قال ابن عباس: (قوامون: مُسلَّطون على تأديب النساء في الحق) ولهذا كانت طاعتهن للرجال إنما تلزمهن في حدود طاعة الله.

ومن تعاجيب هذا المفهوم الذي هو القوامة، أنه غلط فيه بعض الناس غلطا بإزاء غلط الكاتب الفاضل الذي رام إلغاءه في حق النساء بمجرد عجز الرجل عن نفقتها، فقد زعم الدكتور أحمد الكبيسي أن القوامة ليست للرجل على المرأة، بل العكس؛ فهي ثابتة للمرأة على الرجل، فإنه زعم أن معنى قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء) أي: يجب على الرجل أن يقوم على خدمة المرأة، قال: ومعناه أنه يقوم على خدمتها كما يقوم السيد عند رأس عبده لخدمته!

وهذا الخبط سببه محاكمة النصوص لأفهامهم، لا إلى الأصول والقواعد التي تواضع عليها العلماء في فهم النصوص، وعهدنا ببعض هؤلاء الكُتَّاب يقولون: ليس فَهْمُ نصوص الشرع حكراً على أحد، وهو صحيح لكنه ليس لكل أحد، وإنما يسوغ لمن استجمع أدوات الفهم وآلات الاستنباط، ولو ذهبنا نحاكم النصوص إلى فهوم الناس لم يسلم لنا نص، ولأفضى إلى اطراح أكثر الشرع، واللازم فاسد فالملزوم مثله.

ولو سلمنا للكاتب الفاضل أن القوامة حكم معلق بالإنفاق، فيتعطل بتعطله لدوران الحكم مع علته وجوداً وعدما، لزمه سقوطها في المرأة إذا كانت أفضل من الرجل مع اقتداره على نفقتها، فإن حصر تعطيل القوامة بالإنفاق عارضه نص الكتاب الذي رتب القوامة على التفضيل والإنفاق، والحصر تحكُّم باطل، ولهذا لا يَسْلَم له تعطيل القوامة على السبر، لتعلقها بالتفضيل وهو ثابت في غالب جذر أصول الرجال لا يزول.

ومن لوازم الدعوة إلى تعطيل أصل القوامة مؤقتا: أنه يفتح الباب لدعاوى مثلها، فهذا يقول: نوقف أصل (للذكر مثل حظ الأنثيين) إذا كان الرجل لا ينفق على عياله، وذاك يزعم قلب النص فنعطي الأنثى مثل حظ الذكرين إذا كان الذكر غنيا وهي فقيرة، وهكذا تضطرب الأحكام وتتعطل النصوص باجتهاد غير منضبط.

بل يلزم إن قيل بإلغاء القوامة في حق من استغنت بالراتب: أن يفرض عليها الجهاد والقتال، لأن من مقتضيات القوامة أن على الرجل أعباء اقتضاها مقام التفضيل، منها الجهاد، وهذا اللازم فاسد الوضع لأنه في مقابلة النص.

ولهذا كان من أسباب نزول قوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) تمني النساء الجهاد، فنزلت الآية ترشدهم إلى أن الجهاد من مقتضيات تفضيل غالب الرجل ولا يلائم غالب النساء -لأن التفضيل أغلبي وليس مطلقا- ولهذا أبدلهن الله تعالى بجهاد لا قتال فيه وهو الحج، كما ثبت في السنة الصحيحة.

بل يلزم من القول بتعطيل أصل القوامة في حق المرأة المستغنية بمعاش شهري، أن تكون القوامة لها على الرجل إذا كانت غنية وهو فقير، أو كان لها معاش وهو عاطل كما هو مشاهد اليوم في كثير من المجتمعات، لأن الكاتب حصر القوامة بالإنفاق لا بالرجولة التي حصر النص القوامة بـها كما تقدم، وهذا اللازم أفسد من الذي قبله، لأنه قلب للنص وليس مجرد معارضته، فهو باطل قطعا وبه يدرك أن اجتهاد الكاتب ضرب من العبث، لا يُلام معه القائلون بسد باب الاجتهاد في غير النوازل!

واعلم أن شرع الله بثبوت القوامة على الوجه الذي ذكره الله في كتابه هو العدل والوسط، بين من يروم إلغاءها مؤقتا كالكاتب أو مطلقا كالحداثيين، وبين من يغلو في إثباتـها كالقانون الذي وضعه نابليون، وقد ذكر ديورانت في (تاريخ الحضارة) قال: (أصرَّت المدوَّنة القانونية النابليونية على أن الرجال قوَّامون على النساء قوامة مطلقة، بل وقوَّامون على ممتلكاتهن، واعتبرت المدوَّنة نابليون ذلك مسألة ضرورية لتحقيق الانضباط الاجتماعي، لقد كتب نابليون إلى جوزيفين في سنة 1807 م: لقد كنت دائما أعتقد أن المرأة خُلِقت للرجل)!

وقد يظن بعض الناس أن القوامة هيمنة الرجل وسطوته على المرأة، فيتوهم إبطالها فيما لو انعكس الحال عند بعض ضعفاء الرجال، فهيمنت سطوة امرأته عليه.

وهذا غلط فإن هذا مرض نفسي لا تعلق له بأصل القوامة بحال، وفي (خطط مصر) للـمقريزي عن ابن عبد الحكم قال: كان نساءُ أهل مصر حين غرق مَنْ غرق منهم مع فرعون، ولم يبقَ إلا العبيد والأُجراء، لم يصبروا عن الرجال، فطفقت الـمرأةُ تعتق عبدها وتتزوجه، وتتزوج الأخرى أجيرَها، وشرطن على الرجال أن لا يفعلوا شيئا إلا بإذنـهن، فأجابوهن إلى ذلك، فكان أمرُ النساء على الرجال، فحدثني ابنُ لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب: أن نساءَ القِبْط على ذلك إلى اليوم، اتباعا لـمَنْ مضى منهم، لا يبيع أحدُهم ولا يشتري إلا قال: أستأمر امرأتي!

وهذا الاستئمار إن كان هو مشاركة رأيها والاسترشاد به فهو حسن، فقد استرشد النبي صلى الله عليه وسلم برأي أم سلمة وعمل بمقتضاه تعليما للأمة، وإن كان عن هيمنة: فإن كان يقبح في جنب الرجل فلعمري هو في جنب المرأة أقبح، وليس هذا من القوامة بحال، إنما هو ضرب من السادية والماشوسادية، يحتاج صاحبه لعلاج نفسي.

(1) أخرجه الطيالسي، وفيه أبو معشر وهو ضعيف إلا حديثه في المغازي والفضائل فإنه حسن، وهذا منها، على أن له شاهداً عند النسائي وأحمد بسند حسن، ولذا صححه الحاكم والذهبي والعراقي وغيرهم.

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين