حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان

الاستقبال والتهيئة:

يُعَدّ شهر رمضان من أفضل مواسم الخير التي تمكّنُ المسلم من التّزود فيها من الأجور؛ فيصوم النهار، ويقوم الليل، ويُعلِّم، ويتعلّم، ويُفطّر الصائمين، وحسن استغلال واجتهاد في العبادة منذ اللحظة الأولى.

كان صلى الله عليه وآله وسلم يفرح ويحتفل ويحتفي ويبشر بشهر رمضان، ويحفز ويحث على اغتنامه والاجتهاد فيه فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: «إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم» صحيح سنن ابن ماجة.

ويقول صلى الله عليه وآله وسلم:)إذا كان أول ليلة من رمضان صُفِّدَت الشياطين ومردة الجن، وغُلِّقَت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد كل ليلة يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة) البخاري.

الغداء المبارك:

كان صلى الله عليه وآله وسلم ينوي الصيام كل يوم، وكان شديد الحرص على السحور، قال العرباض بن سارية: دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى السحور في رمضان، قال: (هلم إلى الغداء المبارك) صحيح.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين) البخاري ومسلم.

فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: (تسحروا فإن في السحور بركة(البخاري ومسلم.

وقبل الغروب يردد صلى الله عليه وآله وسلم أذكار المساء

و(كان صلى الله عليه وآله وسلم يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ) صحيح.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزال الناس بخيرٍ ما عجلوا الفطر" البخاري.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله تعالى" حسن.

وكان لا يعيب طعاما قط، إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه وسكت، ويكتفي بالقليل من الطعام.

الاجتهاد في العبادة:

كان صلى الله عليه وآله وسلم يجلس في مصلاه بعد الفجر (مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ، وَعُمْرَةٍ، تَامَّةٍ، تَامَّةٍ، تَامَّةٍ) حسن.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحث الصائم على كثرة الدعاء (ثلاثةُ لا تردّ دعوتهم الإمام العادل والصّائم حين يفطر ودعوة المظلوم) الترمذي.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يشغل نفسه بقراءة القرآن والصلاة والذكر، ويوجه الناس إلى خيرَي الدُّنيا والآخرة، ويحث على استغلال رمضان، والأوقات المباركة فيه، كليلة القَدْر؛ وذلك لشدّة رحمته، وإشفاقه، ومَحبّته لأمّته، وإرادة الخير لهم؛ بحَثّهم وتشجيعهم على فِعل الخيرات، والإكثار من الطاعات.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يصب الماء على رأسه وهو صائم، ويتمضمض ويستنشق وهو صائم، وينهى الصائم عن المبالغة في الاستنشاق، وكان صلى الله عليه وآله وسلم "يتسوّك وهو صائم" الترمذي.

كان صلى الله عليه وآله وسلم "يلقى جبريل عليه السلام فى كلّ ليلةٍ من رمضان فيدارسه القرآن" البخاري.

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)

ولمدارسة القرآن آثارها العظيمة على النفوس والقلوب والأرواح فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجود الناس، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) البخاري

وفي ذلك حَثٌّ على استغلال رمضان بتلاوة القُرآن حق تلاوته، ووعيه وتدبره وتطبيقه، والتحذير من الغفلة عنه.

وكان يأمر بإخراج زكاة الفطر قبل الخروج إلى المصلى، وكان يخرج إلى العيد ماشيًا ويصلي بالناس ركعتين، ثم يخطب في مصلى العيد، وما صلاها في المسجد قط.

قيام الليل:

قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) البخاري

وقد صلى صلى الله عليه وآله وسلم التراويح أياما بأصحابه، ثم لم يخرج إليهم خشية أن تفرض عليهم، فكان يرجع إلى بيته، ويصلي من الليل ما شاء الله له، وقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان؟ فقالت:) مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَلاَ تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا) البخاري ومسلم

وقد رغب صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة التراويح (القيام) مع الإمام حتى ينهي صلاته، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنَّهُ من قامَ معَ الإمامِ حتَّى ينصرفَ فإنَّهُ يعدلُ قيامَ ليلةٍ) صحيح ابن ماجه

الاعتكـاف وليلة القدر:

كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجتهد في العبادة والطاعة في رمضان كله، إلّا أنّه كان يجتهد في العشر الأواخر أكثر من غيرها، فكان صلى الله عليه وآله وسلم "يعتكف العشر الأواخر من رمضان ويقول: تحروا ليلة القدر فى العشر الأواخر من رمضان" البخاري.

(لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)

فكان صلى الله عليه وآله وسلم "إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله" البخاري.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) البخاري.

أخلاق النبي في رمضان:

كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن الناس خلقا (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) وقد حذر من سوء الأخلاق بوجه عام، و نهى عن كُلّ ما يُنقص من أجر الصيام فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (الصيام جُنَّة، فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث، ولا يجهل, فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم) أبو داود.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (منْ لَمْ يَدَعْ -يترك- قَوْلَ الزُّور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) البخاري.

هذا بعض هديه وسنته صلى الله عليه وآله وسلم في رمضان، فحري بنا أن نعرف لشهر رمضان حقه, وأن نقدره حق قدره، وأن نغتنم أيامه ولياليه، ولنسدد ونقارب، عسى أن نفوز برضوان الله، ويكتب لنا سعادة الدنيا ونعيم الآخرة.