حوار مع الدكتور محمد سليم العوا -

حوار مع الدكتور محمد سليم العوا عن تجربة وحصاد اتحاد علماء المسلمين خلال السنتين الماضيتين * نود في البداية أن نتعرف على هياكل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وكم يبلغ عدد أعضائه -الآن- بعد مضي عامين على تأسيسه؟ ** يتكوّن الاتحاد من: "مجلس الأمناء"، وقوامه 50 عالمًا من جميع أنحاء المعمورة، إضافة إلى "المكتب التنفيذي" الذي يتكوّن من 10 علماء من 10 دول وهي: مصر وقطر وموريتانيا وإيران وعُمان وتونس وسوريا والسعودية والسودان ولبنان، كما يضُـم 2500 عضو من الأشخاص والجمعيات والهيئات والمؤسسات، بينهم نحو مائة جمعية واتحاد، كل منها تمثل علماء بلدها، مثل: جمعية علماء السودان، وجمعية علماء غزة، وجمعية علماء فلسطين ببيت المقدس، واتحاد علماء بلاد الشام، والحملة العالمية لنصرة الرسول، والحملة العالمية لمقاومة العدوان، واتحاد علماء ماليزيا، واتحاد علماء إندونيسيا... إلخ. "رأس بلا جسد"! * البعض يقول إن الاتحاد "رأس بلا جسد"، بمعنى أنه عبارة عن أشخاص معدودين، وأنه ينحصر في رئيسه العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، وأمينه العام الدكتور العوا... فبماذا تردون عليهم؟ ** الاتحاد ليس رأسًا بلا جسد، كما يقول هؤلاء، وإنما كائن حي له رأس يُعبِّر عن جسده، كما يعبِّر اللسان عن سائر الإنسان، وأعمال الاتحاد ينوء عن حملها الرجال، ولا يقوى عليها آحاده، وهو مؤسسة متكاملة لها مجلس أمناء من خيرة علماء الأمة، وله مكتب تنفيذي، وله جمعية عمومية، ولديه مكاتب وموظفون.. فكيف نقول إنه رأس بلا جسد؟ أنا لا أتفق في الرأي مع من يقول هذا. * هناك من يتهم الاتحاد بالجنوح إلى السياسة، ويقول إنه قد صار أشبه ما يكون بحزب سياسي... فما رأيكم؟ ** أختلف هذه المرة أيضًا مع أصحاب هذا الرأي، وأؤكد لهم أن الاتحاد تأسّـس ليكون مرجعية شعبية للمسلمين، ومن ثَم فهو ينشغل بما تنشغل به الأمة، كما أنه لا يمثل دولة من الدول، أو حزبًا من الأحزاب، أو جماعة من الجماعات، وإنما يمثل المسلم البسيط في أنحاء المعمورة. * لما كان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يضم عددًا من كبار علماء الأمة وفقهائها، وجب علينا أن نتساءل عن الدور الفقهي للاتحاد.. وماذا أنجز من الفتاوى ذات الشأن فيما يخص قضايا الأمة الكبرى؟ ** الاتحاد أصدر عددًا من الفتاوى الشرعية والعلمية في قضايا ذات حساسية وأهمية معينة، وأذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: 1 - فتوى بوجوب تقديم العون المالي العاجل للفلسطينيين، ولا سيما في ظروفهم الراهنة، ومشروعية تعجيل الزكاة لهم، أو دفعها لسنوات قادمة. 2 - فتوى طلبتها منظمة الصحة العالمية، بعد وقوع زلزال تسونامي وما ترك من آثار، أفتى فيها الاتحاد لجميع المسلمين الذين يعيشون في المناطق المنكوبة، بجواز أكل الأسماك دون حرج. 3 - فتوى بوجوب تطعيم الأطفال ضدَّ الشلل، في بعض الولايات النيجيرية، بعدما كانوا يرفضون التطعيم، وهو ما أودى بحياة العديد من الأطفال. * يثير اختلاف الفقهاء في الرأي حيرة لدى عامة المسلمين، كما يثير تساؤلات عدة لدى كثير من المثقفين، فما السبيل لجمع كلمة الفقهاء والعلماء؟، وما دور الاتحاد في جمع شمل العلماء وتوحيد كلمتهم؟ ** بهذا الخصوص أصدر الاتحاد لعالمي لعلماء المسلمين ميثاق شرف للعلماء أسماه (الميثاق الإسلامي)، حدِّد فيه الأصول والمبادئ التي يجب أن يتفق عليها علماء الأمة في الجملة والتي تبيِّن مواقف الاتحاد من القضايا الكبرى في العقيدة والشريعة والأخلاق والثقافة والحضارة، كما تبيِّن مواقفه من قضايا فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية وبيئية وحضارية، من قضايا عصرنا، مُعتمِدًا أساسًا على القرآن الكريم أو صحيح السنة، مستنيرًا بأقوال الأئمة الذين هم موضع ثقة الغالبية الساحقة من المسلمين. كشف حساب * لو طلبنا من الأمين العام للاتحاد أن يقدم -للمسلمين- كشف حساب بما قدمه الاتحاد للأمة، فماذا تقولون؟ ** أستطيع أن أقول بداية وبإيجاز شديد، أن الاتحاد لم يمُـر على تأسيسه سوى عامين فقط، وأنه قدَّم مُنتهى ما استطاع عمله، في ضوء الإمكانات البشرية والمادية التي أتيحت له، وأننا نرحب بأي جُهد مضاف وبأي نصيحة مُخلصة وبأي دعم معنوي أو مادي، كما نرحِّب بأي نقد بناء. وأشير إلى أن الاتحاد نشط خلال العامين الماضيين في العديد من القضايا الكبرى وفي مقدّمتها: الحرب الإسرائيلية على لبنان وموضوع الفتنة الطائفية بين السُـنة والشيعة بالعراق، والرسوم الدانماركية المُـسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تصريحات البابا المسيئة ومن قبلها مشكلَـتي دارفور وموضوع الرهائن والمختطفين الأجانب بالعراق،... إلخ. * البعض يتحدث عما يسمونه بـ"حالة تأهب أو انقضاض شيعي" على السنة في العراق، فيما تناقلت وكالات الأنباء بيانًا سعوديًّا وقع عليه 38 من العلماء السعوديين يدعو لنصرة أهل السنة بالعراق بمختلف الوسائل.. فأين الاتحاد من كل هذا؟ ** الاتحاد منذ تأسيسه؛ اهتم بقضية العراق التي أمست تُمثل جرحًا آخر، في جسد الأمة، وأخطر ما أصاب الشعب العراقي هو تمزيق وَحدته، بإشعال نار الفتنة المذهبية الطائفية التي لا تُبقي ولا تَذر، وقد ندَّد الاتحاد بهذه الفتنة الخطيرة، ودعا إلى إطفائها، وتفويت الفرصة على من أسماهم أعداء الأمة. واسمح لي أن أوضح في البداية أن موضوع الفتنة بين السنة والشيعة يحتاج إلى الحكمة والعدل عند مناقشته بلا تزييف أو مزايدة، فأكثر أهل السنة -للأسف- لا يعرفون عن الشيعة سوى أنهم طائفة تغالي في التشيع، كما تنتشر أغاليط كثيرة بين السنة والشيعة. وأود أن أذكر بأن هذه الأمة هي أمة واحدة، مأمورة بالاعتصام بحبل الله؛ قال تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا..."، وأن الشيعة "مذهب فقهي"، وأنهم فرقة من فرق المسلمين، وأن علماء الأمة أكدوا في كتبهم أن الشيعة مسلمون، ولا يوجد كتاب يخرج الشيعة من فرق الإسلام. والأصل أن السنة والشيعة متفقون في كل شيء إلا في بعض الأمور، مثل: 1 - قولهم بـ"عصمة الأئمة": وهو اعتقاد شائع لدى الشيعة الإمامية. 2- قولهم إن "الإمامة وضع إلهي": أوصى به الرسول صلى الله عليه وسلم إلى علي رضي الله عنه، ثم أوصى به علي إلى من بعده، وحتى محمد بن الحسن العسكري. ونحن نرفض هذين الأمرين؛ لأنه لا عصمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يعين حاكمًا بعده، وإنما أوصى فقط وترك الأمر شورى بين المسلمين. * لكنني أعتقد أن الأمر أكبر من ذلك... فالفتنة على أشدها في العراق. ** لا شك أنها فتنة، والفتنة أشد من القتل، ولا شك أيضًا أن أعداءنا يسعون إلى اختراق الصف الإسلامي، وزعزعة كلمة الأمة، وتفريق قوتنا، وتشتيت شملنا؛ ولهذا فإن أحد مخططاتهم محاولة اختراق وتقسيم الأمة إلى فرق ومذاهب ونعرات، من خلال النفخ في النار، وتضخيم الأمور، وعليه فإن اعتصامنا وتوحدنا هو الحل الوحيد لمواجهة هذه المخططات والأطماع، ومن ثَم فاتحاد علماء المسلمين ضد أي فتنة تطالب السنة بالتشيع أو العكس، ودعوة كل مذهب إلى ترك مذهبه فتنة عظيمة، وقانا الله شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. ميثاق للتعايش * ولكن... ما جهد الاتحاد في هذا الملف، وما دوره لرأب الصدع ولمّ الشمل المسلم، وحقن دمه؟ ** نبذل ما استطعنا من جهد، وقد وجهنا أكثر من نداء باسم الاتحاد لعلماء السنة والشيعة في العراق، وبخاصة المرجعيات الكبرى، ودعوناهم إلى تحمل مسئوليتهم في الحفاظ على وحدة الشعب والوقوف في مواجهة هذه الفتن، وحقن دماء أهل القبلة وأهل الدار، كما ندعو هذه المرجعيات إلى اجتماع عاجل؛ للاتفاق على "ميثاق شرف" للتعايش، وحقن دماء المسلمين، يحرّم دماء أهل القبلة ومواطنيهم من غير المسلمين، ويجدد العهد على السعي إلى التقريب، ومحاربة أية محاولة من محاولات الفرقة بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد، ودائمًا يسعى الاتحاد إلى تجنيب العراق ويلات الحروب، وقد كان له دور فاعل في قضية خطف المدنيين الأجانب بالعراق جنَّب البلاد ويلات كثيرة. * وماذا كان دور الاتحاد في قضية خطف المدنيين الأجانب بالعراق؟ ** موقفنا في هذه الأزمة تلخص في عدد من الخطوات وهي:- 1- في بداية الأزمة أصدر الاتحاد فتوى مطولة، استنكر فيها خطف الذين لا يحاربون، ولا يساعدون المحاربين. 2- كما كان الاتحاد ملاذ الوزراء والسفراء من البلاد التي خُطف منها بعض مواطنيها، حيث كانوا يلجئون إليه يلتمسون المساعدة في فكِّ أَسْراهم، فلجأ إليه سفراء إندونيسيا، واليابان، ونيبال، وإيطاليا، وفرنسا، وغيرهم... 3- أرسل الاتحاد نداءً من أجل المخطوفين الفرنسيين، عبر قناة الجزيرة، وانتهى الأمر بالإفراج عنهما، وقد أرسل وزير الخارجية الفرنسي رسالة شكر وتقدير للاتحاد، وتكرر الأمر مع وزير الخارجية الإيطالي، حيث زار فضيلة الدكتور القرضاوي بصفته رئيس الاتحاد في بيته بقطر؛ للسبب نفسه، وانتهى الأمر بالإفراج عن المخطوفين، وأرسل هو الآخر رسالة شكر إلى رئيس الاتحاد. تقسيم السودان * لا شك أن السودان يتعرض للعديد من المؤامرات، ويواجه مخططًا يستهدف تقسيمه وتمزيق أوصاله إلى قطع وأشلاء، كان آخرها قضية دارفور... فما هي جهود الاتحاد لإنقاذ دارفور؟ ** في قضية دارفور، سارع الاتحاد بإرسال وفد من رئيسه وأمينه العام، إضافة إلى المستشار فيصل مولوي ود. علي القرة داغي، عضوي المكتب التنفيذي، والتقى الوفد عددًا من القيادات المُمثلة للاتجاهات المختلفة في الخرطوم، واستمع إليهم وناقشهم، ثم ذهب إلى مدينة (الفاشر) عاصمة دارفور، والتقى عددًا من أهل المدينة، كما زار المخيمات التي يعيش فيها اللاجئون، والتقى الوفد بعدد من اللاجئين أنفسهم، وتحدث معهم، ثم أصدر الوفد تقريره المفصل عن القضية، متضمنًا توصياته، ومقترحاته لحلِّ المشكلة. وقد أوضحنا أن الاتحاد يؤيد التوجه الذي أعرب عنه البرلمان العربي من عدم القبول بوجود قوات دولية في أي جزء من أرض السودان دون موافقة حكومته، ودعونا الدول العربية والإسلامية الإفريقية، إلى تحمل مسئولياتها في قوات حفظ السلام في دارفور، وفي جنوب السودان، بما يقطع الطريق أمام التدخل الأجنبي في هذا البلد العربي الإفريقي المسلم، ويحفظ له استقلاله ووحدة أراضيه. أحداث ومواقف * هناك مواقف عدة أحدثت ردود فعل إسلامية على مستوى العالم، منها موضوع الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك منع الحجاب في تونس، وأيضًا قرار شركة الخطوط الملكية المغربية بمنع المصلين من إقامة الصلاة في المحطات والمطارات.. فماذا كان موقف الاتحاد من تلك القضايا؟ ** في واقعة الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم بالذات، كان الاتحاد في قلب الأزمة، فأصدر أكثر من بيان مستنكرًا هذه الإساءة، ودعا الأمة لإظهار غضبها بغير تهوُّر ولا اعتداء، كما دعا لمقاطعة البضائع الدانماركية، وأعلن يوم "جمعة" حدَّده؛ ليكون يوم الغضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. كما تُوِّج هذا الجهد بمؤتمر البحرين لنصرة الحبيب، وقد كان مؤتمرًا عالميًّا كبيرًا، حضره ممثلون من قارات الدنيا، وصدر عنه توصيات وقرارات مهمة، منها: 1- إنشاء "المنظمة العالمية لنُصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم". 2- إنشاء "الصندوق العالمي لنُصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم"؛ لتمويل مشروعاتها وأنشطتها. 3- أوصى وزارات التربية والتعليم في بلدان العالم الإسلامي بوضع منهج للسيرة النبوية الشريفة يدرَّس في مراحل التعليم المختلفة. أما عن قضية منع المسلمات من ارتداء الزي الإسلامي في تونس فإن الاتحاد يعتبر ما تتعرض له النساء التونسيات من منعهن من الدراسة أو العمل، أو مضايقات في الشارع، جراء ارتداء الزي الإسلامي، أمرًا مستهجنًا، ومخالفًا لتعاليم الإسلام أولاً، ثم للاتفاقية الدولية لحقوق المرأة (سيداو SIDAW)، ثانيًا، وانتهاكًا للحرية الشخصية التي كفلتها المواثيق الدولية ثالثًا. وقد وجّه الاتحاد نداءً للحكومة التونسية لرفع هذه المعاناة عن المسلمات، وتمكينهن من الالتزام بأوامر الشرع، وممارسة الحقوق الشخصية التي تكفلها المواثيق الدولية. وكذلك فإن الاتحاد قد استنكر قرار شركة الخطوط الملكية المغربية بمنع الصلاة في محطاتها ومطاراتها، ودعاها لإعادة النظر في هذا القرار، لا سيما أنه مخالف لتعاليم الإسلام وتشريعاته التي تأمر المسلم بإقامة الصلاة متى أدركته، معتبرًا أن المحطات والمطارات، تُعَدّ مساجد بنص حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم "جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا"، مذكرًا بأن مثل هذا الموقف المستنكر لم تقدم عليه أي خطوط جوية في العالم. هل أنت راض؟ * د. العوا... أود أن أسألك سؤالاً أخيرًا... هل أنت راض عن أداء الاتحاد خلال العامين الماضيين؟ ** لا أستطيع أن أدَّعي أنني راض عن أداء الاتحاد مائة بالمائة، فما زال الاتحاد ناشئًا لم يستكمل كل مقوِّماته بعد، وأهم ما ينبغي أن نركِّـز عليه في المستقبل هو: 1- تأسيس مكاتب وفروع للاتحاد في كل دولة أو إقليم. 2- إصدار بعض الكُـتب، مما له قيمة معيَّنة في الموضوعات المُلحّة. 3- إصدار نشرات شهرية بأعمال ومواقف وبيانات الاتحاد. 4- إصدار مجلة دورية علمية، تعني بالجوانب العلمية والفكرية. 5- إنشاء "وقف إسلامي"؛ ليكون مددًا ماديًّا دائمًا للاتحاد، يحرره، ويفرغه لمهامه الكبرى التي أنشئ من أجلها.