حوار مع الدكتور أبو لبابة حسين التونسي -

حوار حضاري

مع الدكتور أبو لبابة حسِين حفظه الله ورعاه

أعده وأجراه معه: فياض العبسو

نبذة عن فضيلة الدكتور حفظه الله تعالى:

مولده:

فضيلة الأستاذ الدكتور العلامة الشيخ الأديب أبو لبابة الطاهر صالح حسين التونسي
حفظه الله ذخراً للأمّة الإسلامية.
داعية ومفكر إسلامي غيور، دكتوراه في الحديث وعلومه من الأزهر الشريف.
ذو أدب جمّ وتواضع... ومن خالطه أحبّه...
ولد في مدينة قابس بتونس في 15 نوفمبر سنة 1940 م.
دراسته:
حصل على الإجازة ( الليسانس ) في أصول الدين من الكلية الزيتونية للشريعة
وأصول الدين ( 1972م ).
ثم على الماجستير في السنة وعلومها من جامعة الأزهر الشريف بالقاهرة ( 1974م ).
وكانت بعنوان: ( الجرح والتعديل ).
والدكتوراه في الحديث وعلومه مع مرتبة الشرف الأولى من جامعة الأزهر الشريف
( 1983م ). وكانت بعنوان: ( أبو الوليد الباجي وكتابه التعديل والتجريح لمن خرّج له البخاري في الجامع الصحيح ).

شيوخه وأساتيذه:

لقد درس على عدد كبير من المربّين والأساتذة والمشايخ والدكاترة في مراحل تعلُّمه المختلفة.
ومن أنجب من درّسه في المرحلة الابتدائية:
أ. صالح الجمل حفظه الله.
أ. عمار الحناشي.
أ. البشير بو عبد الله.
وفي المرحلة الثانوية:
الشيخ علي السلامي.
الشيخ الجيلاني بالشيخ إمام خطيب الجامع الكبير بقابس طوال نصف قرن تقريبًا.
الشيخ حسين الأكحل.
الأستاذ الشيخ عبد العزيز العكرمي أحد الفصحاء الشجعان.
الأستاذ علي السخيري رحمهم الله جميعًا.
وفي الكلية الزيتونية:
فضيلة الشيخ العلامة الإمام محمد الفاضل ابن عاشور[ت1970م]، عميد الكلية الزيتونيّة ومفتي الجمهوريّة التونسيّة، نجل العلامة الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
صاحب التحرير والتنوير[ت 1973م ]،رحمهما الله.
فضيلة الشيخ محمد الشاذلي النيفر،عضو المجلس التأسيسي[ البرلمان] غداة استقلال تونس، عضو مؤسس في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة،
عميد الكلية الزيتونيّة للشريعة وأصول الدين وإمام وخطيب جامع باب الأقواس بتونس العاصمة، وكانت تربطه بمترجمنا علاقة خاصة.[انتقل إلى رحمة الله تعالى سنة 1998م].
فضيلة الشيخ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة.عميد الكلية الزيتونية ومفتي البلاد التونسيّة والأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي التابع للمؤتمر الإسلامي بجدّة.
الشيخ محمود بن ميلاد رحمه الله.
الشيخ المختار السلامي مفتي الجمهورية التونسية سابقا.
والشيخ كمال الدين جعيط المفتي الحالي لتونس.
الشيخ العربي العنابي رحمه الله.
الشيخ الدكتور إبراهيم شبوح حفظه الله، الأستاذ بجامعة آل البيت بالأردن حالياً.
الدكتور محمود عبد المولى.
والأستاذ المحقق حمادي الساحليّ، وغيرهم..
وفي جامعة الأزهر:
أ. د. مصطفى أمين التازي وقد أشرف على رسالته لنيل الماجستير.
الشيخ الدكتور مصطفى الحديدي الطير.
الشيخ الأستاذ المحدّث الأديب المحقق سيّد أحمد صقر، وكانت تربطه بمترجمنا علاقة متميّزة.
الشيخ أحمد المسيّر والد الدكتور محمد المسير.
الشيخ الدكتور محمود عبد الغفار.
الأستاذ النبيل الدكتور العلامة موسى شاهين لاشين وقد أشرف على رسالته
لنيل الدكتوراه.
كما كانت له علاقة متينة بعدد من شيوخ الأزهر وفي مقدمتهم الدكتور محمد حسين الذهبي وزير أوقاف مصر سابقاً، والشيخ الكومي عالم التفسير الشهير رحمهما الله تعالى.

تلاميذه:

تخرج على يديه تلاميذ وطلاب كثيرون، وقد أشرف على العديد من طلاب الماجستير والدكتوراه في عدد من الجامعات العربيّة( جامعة الزيتونة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة بالرياض، جامعة محمد الأوّل بوجدة ـ المغرب):
في السعودية:ممّن أشرف على رسائلهم العلميّة:
د. عبد العزيز التخيفي.
د. عبد الله الوكيل الشيخ.
د. محمد الربيش.
د.سليمان بن محمد الجار الله.
د. عبد الله حمود التويجري رئيس قسم السنة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
د. أحمد أبو حلبيّة.
د. سليمان المكحل.. وغيرهم من نجباء الطلبة الذين يؤدّون حاليًّا مهامّهم العلمية والإداريّة والوطنيّة على أحسن الوجوه.
وفي تونس:
د. محمد ناصر الزعايري.
د. البشير البو زيدي.عميد المعهد الأعلى لأصول الدين سابقًا، والأستاذ بجامعة
الملك سعود بالرياض حالياً.
د. إبراهيم العرسان، أستاذ بجامعة الملك سعود بالرياض.
د. رشيد الطباخ، مبتعث حالياً في عمان، وسينتقل قريباً إلى جامعة الزيتونة.
د. عفيف السبابطي.
د. العروسي الميزوري، مدير المعهد الأعلى لأصول الدين بتونس حالياً.
د. محمد عبد الرحمن الأحمد المحمد، وهو يدرّس في الجامعة بالأردن.
د. سالم البراك.
د. عبيد الله سيدان شاه برهاني، وهو من أنجب الطلبة الأفغان. وغيرهم ممن يقومون بأعباء التدريس والبحث والإدارة.

أعماله ومناصبه:

الخبرات التدريسية والإدارية بالجامعة:
ـ مساعد التعليم العالي بالكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين ـ تونس ـ
الجامعة التونسية.
ـ أستاذ مساعد للتعليم العالي بالكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين ـ تونس ـ
الجامعة التونسية.
ـ أستاذ محاضر للتعليم العالي[أستاذ مشارك] بالكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين ـ تونس ـ الجامعة التونسية.
ـ أستاذ التعليم العالي بالكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين ـ تونس ـ الجامعة التونسية،
ثم جامعة الزيتونة.
أستاذ مشارك فأستاذ للتعليم العالي : بكلية أصول الدين بالرياض ـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
ـ رئيس جامعة الزيتونة بتونس.
ـ مدير مركز الدراسات الإسلامية بالقيروان.
ـ أستاذ التعليم العالي بجامعة الإمارات العربية المتحدة ( حالياً ).
المشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية:
شارك في عدّة ندوات ومؤتمرات علميّة، ودورات تدريبيّة شرعيّة وتعليميّة في :
تونس، المغرب:[الرباط، فاس، بني ملال، وجدة] موريتانيا [نواكشوط]،
الجزائر [ تلمسان، تيبازا، وهران]،مصر:[ الزقازيق، القاهرة]، السعودية [المدينة المنورة، مكّة المكرّمة]، الإمارات [أبوظبي، دبي] فرنسا، يوغسلافيا ـ سابقا ـ [سراييفو ]، أوغندا [ كمبالا]، جزر القمر[ القمور الكبرى]،جزر المالديف[ماليه]،
ماليزيا [ كوالالمبور ]،بلجيكا [بروكسل]، إيطاليا [روما]، ألمانيا[دوسلدورف]،
الصين [ بكين ].

مؤلفاته العلميّة المنشورة:

1 ـ الجرح والتعديل : ـ ط2 ـ 1983 (دار اللواء للنشر والتوزيع ـ الرياض).
2 ـ موقف المعتزلة من السنّة : ـ ط3 ـ 2006(دبي ـ الإمارات العربيّة المتحدة).
3 ـ الإسلام والحرب: ط1 ـ 1979 ـ ( دار اللواء للنشر والتوزيع ـ الرياض )
4 ـ التربية في السنة النبويّة : ط3 ـ 1983( دار اللواء للنشر والتوزيع ـ الرياض).
5 ـ موقف متصوّفة إفريقية وزُهَّادها من الاحتلال العبيدي:ط1 ـ1979 ( دار اللواء، الرياض).
6 ـ أبو الوليد الباجي وكتابه التعديل والتجريح لمن خرّج له البخاري في الجامع الصحيح : ط1 ـ 1985( دار اللواء للنشر والتوزيع ـ الـرياض ).
7 ـ أصول علم الحديث بين المنهج والمصطلح : ط 1 ـ 1997( دار الغرب الإسلامي ـ بيروت ـ لبنان ).
8 ـ نافذة عن الإسلام : ط1 ـ 1997 ـ ( دار الغرب الإسلامي ـ بيروت ـ لبنان ).
9 ـ محاضرات في الحديث التحليليّ: ط1 ـ 2004 ( دار الغرب الإسلامي ـ بيروت ـ لبنان).
10 ـ محاضرا ت في أصول علم الحديث ( بالاشتراك):ط1 ـ 2007 جامعة الإمارات العربيّة المتحدة.العين.
آخر الأبحاث المنشورة:
1 ـ علوم الحديث بين فضفضة المصطلح ونُدرة التمثيل وعسر التطبيق"، الندوة العلميّة الدوليّة الأولى”علوم الحديث واقع وآفاق" دبـي 6 ـ 8 صفر1424هـ/ 8 ـ 10 أفريل 2003م."
2 ـ التراث وتحصين المجتمع ـ ندوة”التراث الإسلاميّ بالغرب والتنمية”ـ جامعة محمد الأوّل ـ كلية الآداب والعلوم الإنسانيّة ـ وجدة ـ المغرب [ 14ـ16/01/2004 ].
3 ـ السنّة النبويّة وحي من الله محفوظة كالقرآن الكريم ـ ندوة عناية المملكة العربية السعوديّة بالسنّة والسيرة النبويّة ـ المدينة المنوّرة [15 ـ 17ربيع أول 1425هـ/4 ـ 6/5/2004م].
4 ـ”كتابات غير المتخصّصين في السنّة النبويّة بين الجهل والتحريف: كتاب السنة النبويّة : إشكاليّة التدوين والتشريع" نموذجًا”ـ الندوة العلميّة الدوليّة الثانية "
" الحديث الشريف وتحدّيات العصر"" كلية الدراسات الإسلاميّة والعربيّة دبـي "
18ـ20 صفر 1426هـ/ 28 ـ 30 مارس 2005م.
5 ـ تحيّة إجلال للأزهر الشريف بمناسبة انعقاد ملتقى خرّيجيه العالمي الأوّل بالقاهرة :
أفريل 2006هـ [ أبحاث المؤتمر، طبع وتنفيذ إدارة المطبعة والكتاب الجامعيّ ـ 2006 ـ 2007م].
6 ـ التراكم العلمي والمعرفي في الحضارة الإسلاميّة [ مطبعة جامعة الأزهر ـ
أبحاث المؤتمر ـ ملتقى خرّيجي الأزهر العالمي الثاني ـ القاهرة ـ أفريل 2007]
7 ـ السنّة النبويّة ونسبتها من الثقافة والحضارة الإسلاميتين ـ الندوة العلميّة الدولية الثالثة ـ كلية الدراسات الإسلاميّة والعربيّة بدبي ـ 22 ـ 25/4/2007م [ طبع الأمانة العامة لندوة الحديث الشريف]
8 ـ التحدّيات الحضاريّة ـ [ مطبعة جامعة الأزهر ـ أبحاث المؤتمر ـ الملتقى العالمي الثالث لخرّيجي الأزهر الشريف ـ كوالالمبور ـ فيفري 2008].
الإسهامات الجامعية:
أشرف على عدد كبير من الرسائل الجامعية كما ناقش عددًا هائلا منها: دكتوراه المرحلة الثالثة ( ماجستير)، دكتوراه الدولة ( دكتوراه)، في كلّ من تونس والمملكة العربية السعودية، والمغرب ( جامعة محمد الأول ـ وجدة )، والعديد من طلابه يحتلون،
بفضل الله، مواقع هامّة في الإدارة والتدريس بالجامعات.
ومن آخر الرسائل التي أشرف عليها ونوقشت بحمد الله:
1 ـ معجم الصحابة لأبي القاسم البغوي : دراسة وتحقيق(دكتوراه الدولة ) ـ جامعة محمد الأول ـ وجدة ـ المغرب.
2 ـ التآليف التونسيّة في السيرة النبويّة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر للهجرة.
( شهادة بحوث معمقة ـ.E.A D ) ـ جامعة الزيتونة.
3 ـ الإعلام الحديث في المنظور الإسلامي،(دكتوراه دولة في العلوم الإسلاميّة ) ـ جامعة الزيتونة.
** كما كانت له مشاركات عديدة وهامة في وضع المناهج الدراسية بالجامعة، وتقويم ملفات الترقية لرتبتي أستاذ مشارك وأستاذ] [جامعة الإمارات العربيّة بالعين، جامعة الملك سعود بالرياض، جامعة الملك عبد العزيز بجدّة، جامعة الأردن، جامعة الزرقاء بالأردن..].
وقد رأس العديد من لجان الترقية إلى رتبتي" أستاذ محاضر" [ أستاذ مشارك]
و" أستاذ التعليم العالي" [ أستاذ ]. ولجان انتداب المساعدين [ المحاضرين ].
** وقد قـام بتقويم العديد من الأعمال العلميّة بطلب من المجلات الجامعيّة المحكّمة
لبيان مدى صلاحيتها للنشر.
الخدمات الاجتماعية:
ألقى العديد من المحاضرات على منابر اللجان الثقافية، بقابس ونابل وصفاقس وتونس ومدنين والقيروان ودوز ومنزل بورقيبة وبنزرت..
وله العديد من الأحاديث الإذاعية والتلفزية [التلفزة التونسية، الجزائريّة، أبوظبي، دبي،المجد، اقرأ ]، والمقالات والبحوث المنشورة في الصحف اليومية مثل صحيفة العمل والحرية والصباح التونسية والجزيرة السعودية،والمجلات العلمية :كالنشرة العلمية للكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين بتونس، ومجلة جوهر الإسلام بتونس،
ومجلة الهداية بتونس، ومجلة كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية [الرياض]، ومجلة معهد الدراسات المصطلحية بفاس ومجلة الحضارة الإسلامية بوهران.
وكان يحرّر صفحة الجمعة بجريدة”العمل" جريدة الحزب الحرّ الدستوريّ بتونس، بالاشتراك.
كما كان يعدّ ويقدّم برنامجا إذاعيّا بعنوان:" مع الهدي النبوي" مساء الخميس إثر موجز أنباء الساعة العاشرة مساء بالإذاعة التونسية.
** عضو المجلس الإسلاميّ الأعلى بتونس [1990 ـ 2002م].
** إمام خطيب جامع القدس ـ شارع القدس ـ البلفيديرـ تونس[1900 ـ 1998م].
**رئيس مجلس الأمناء ـ الجامعة الأمريكيّة العالميّة( A.I.U ).
** عضو المجلس الأعلى العالمي للمساجد ـ مكة المكرّمة.
** عضو الملتقى العالمي للعلماء والمفكرين المسلمين ـ مكة المكرّمة.
** أستاذ متميّز بجامعة الزيتونة ـ بقرار من وزير التعليم العالي بتونس في 13 أفريل 2006.
** عضو المجلس التنفيذي للرابطة العالميّة لخرّيجي الأزهرـ القاهرة.

إجازاته:

أجازه العلامة الشيخ محمد الشاذلي النيفر التونسي رحمه الله تعالى،
وكانت له عناية خاصة به.
وقد استجزته فأجازني إجازة خطية عامّة، جزاه الله خيراً.

السؤال الأول:

يثير بعض المشككين ومن يطلقون على أنفسهم ( القرآنيين ) شبهات حول السنة النبويّة
بشكل عام، وحول صحيح البخاري بشكل خاص، بدعوى أن فيه معلقات، وأحاديث آحاد،
ما ردّكم على هؤلاء ؟

الجواب:

ما هو معروف عند علماء الأمّة أن صحيح البخاري أصحّ كتاب بعد كتاب الله القرآن العزيز، ومن يزعم أنّ في هذا السفر الفريد ضعيفاً يعود هذا الضعف إلى من يزعم ذلك لأنه لم يدرك الشروط المتشددة التي وضعها البخاري لقبول الحديث وإدراجه في الجامع الصحيح المسند.
وإذا جاز لنا أن نشبّه أحاديث البخاري بالذهب لقلنا إنه يمثل العيار الأعلى من هذا المعدن الثمين.
وحينما انتُقد من الدار قطني[ت385هـ] وبعض العلماء العارفين انتُقِد من زاوية كونه أخرج بعض الأحاديث القليلة التي لا تخرج عن دائرة الذهب إلا أنّها من عيار دون العيار الأرقى.
كمن انتقد أبا العلاء المعري في لزومياته بدعوى أنه ألزم نفسه بقافية واحدة ذات ثلاثة حروف إلا أنّه أخلّ بشرطه في بعض الأبيات حيث أورد لها قافية بحرفين، دون أن يخرج عن دائرة الصحة والإبداع.
أمّا من يزعم أنّ في صحيح البخاري بعض المعلقات التي يختلّ فيها اتصال السند فهذا لا يضيره لأنّها ليست من صلب كتابه الذي وسمه بالجامع الصحيح المسند المختصر،
وإنّما جاء بها في الغالب في تراجم أبوابه للاستئناس وللاستدلال الفقهي وهو الفقيه المجتهد، وهو من قال عنه المحققون:”"فقه البخاريّ في تراجمه ". "
والمعلوم أنّ المعلقات في الجامع بلغت [1341 تعليقٍ]
إلا أنّ الإمام البخاريّ قد وصلها كلّها في صحيحه نفسه، ولم يَبْقَ منها معلّقًا إلا
[ 161 تعليقا ]
قد تولّى وصلها الإمامُ ابن حجر العسقلاني في كتابه:( تغليق التعليق ).
أمّا صلب الكتاب فهو يتضمن فقط الأحاديث المتصلة المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتي لا يتجاوز عددها ( 2602 ) حديثا بدون المكرر، حسب إحصاء الحافظ
ابن حجر العسقلاني رحمه الله في موسوعته الخالدة”فتح الباري”
التي شرح فيها صحيح البخاري شرحًًا لا يُدانى..
وهذه الأحاديث المتصلة المرفوعة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم توفرت فيها أعلى وأرقى شروط الصحة الخمسة لا سيما شرطي:( العدالة والضبط )، وهما كما يقول المناطقة: من المقولات بالتشكيك.
حيث استخدم البخاري في اختيار الرواة الضابطين بل التامّي الضبط والعدول الأمناء الأخيار، حسَّهُ الإيمانيّ والمعرفيّ المرهف فضلاً عن علمه الواسع بالمتون وبحقائق الرجال وهو القائل عن رواة تاريخه الكبير:" "لي عن كلّ راو أوردته فيه قصة، إلا أنني اختصرتُ مخافة الطول "."
فالمتهافتون على انتقاد صحيح البخاريّ هم في الحقيقة يهاجمون السنّة المشرّفة، وهؤلاء لا يعجبهم العجب. ولا يُرضيهم شيء مهما كان كاملا لا يعتوره نقصٌ. فقد اتّخذوا لهم من هجومهم على المصدر الثاني للتشريع وعلى عظماء الإسلام وأساطين المعرفة والعلم شرعة ومنهاجاً.
وقد أثبت علماء الإسلام الأصفياء أنّ كل حديث ثبتت صحّةُ نسبته للنبيّ صلى الله عليه وسلم فهو حديث صحيح، عقلاً وشرعاً ولا يجوز بحال أن يقول الرسولُ صلى الله عليه وسلم ما لا يتطابق معناه مع العقل السليم والشرع السويّ القويم و مع كلّ الحقائق العلميّة الثابتة والمشاهدة.

أما حديث الآحاد الذي يتّخذه خصومُ السنة تُكَأَةً لردّ السنة بدعوى أنها آحاد فهؤلاء بمسلكهم هذا يثبتون أنهم مُوغلون في الجهل بحقائق السنة وما قرره العلماء في شأنها وفي شأن حديث الآحاد بالذات، فالعلماء أثبتوا بالدليل القاطع أن حديث الآحاد الذي توفّرت فيه شروط الصحة الخمسة:( اتصال السند، عدالة الراوي، تمام الضبط، البراءة من الشذوذ والعلة القادحة )، يفيد الظن بمعنى يغلب على ظن العالم الباحث الفطن بنسبة عالية جداً أنّ هذا الحديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم.
وذهب الجمهور إلى أنّ الحكم بإفادة الآحاد الصحيح الظنّ لا يعني التشكيك إطلاقًا في نسبة الحديث للرسول الأعظم صلّى الله عليه وسلّم، وإنّما بناء على أنّنا نتعامل مع رواة بشر والبشر مهما بلغوا من الإتقان والحفظ والأمانة فإنهم عرضة للسهو والخطأ، ومن هنا لم يقطعوا بصحّته وقالوا يفيد الظن بترك نسبة ( 0,01 ) مجالا لما عسى أن يحدث للراوي من سهو أو نسيان ونحو ذلك.
علماً بأن هناك فريقاً من العلماء يذهب إلى أن خبر الواحد الصحيح يفيد العلم النظري،
وعلى رأس هؤلاء الإمام أبو محمد ابن حزم، ومن المعاصرين الشيخ العلامة أحمد محمد شاكر، وغيرهما، ووجهة نظر هذا الفريق أنّ الحديث إذا رواه العدول الضابطون مع توفر بقية الشروط فيه لا يجوز أن ننزل به عن درجة العلم.
ومن هنا يجوز لنا أن نحتجّ بخبر الواحد الصحيح، ونستنبط منه كل الأحكام الشرعية ولا نتردّد في هذا الأمر. وقد أوجب العلماء العمل بخبر الآحاد، وفسّقوا منكره.
علماً بأنّ من يردّ خبر الواحد يطعن في السنة كلّها لأنّ الحديث المتواتر لا يمثل أكثر من ( 3 % ) من مجموع سنّة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فهؤلاء الذين يتهجّمون على خبر الواحد إنّما يرومون من وراء عُدوانهم هذا طرحَ السنة وبالتالي إفساد الإسلام لأنّه لا إسلام بدون قرآن وسنة، وقد قال أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى: لولا السنةُ ما فهِمَ أحد منّا القرآن. كما قال بعض علماء السلف: القرآن أحوج إلى السنة، من السنة إلى القرآن.

السؤال الثاني:

ينكر البعض أحاديث في البخاري بدعوى أنها آحاد وتعارض العقل والنقل،
كحديث الذبابة، وسحر النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث موسى مع ملك الموت، وكيف أنه فقأ عينه، لما أراد أن يقبض روحه، وحديث:”لا تزال النار تقول هل من مزيد، هل من مزيد، حتى يضع الله قدمه فيها فتسكن، وغير ذلك، فماذا تقولون لهؤلاء المنكرين ؟"

الجواب:

هذا اللون من الأحاديث تسمّى الأحاديث المحمولة على غير محاملها [ أحاديث مختلفة، أحاديث مشكلة، أحاديث ناسخة ومنسوخة] وقد اعتنى بها العلماءُ اعتناءً كبيرًا منذ عهد الإمام الشافعي حتّى يومنا هذا.
وأغلب الأمثلة التي أوردتَها في سؤالك من الأحاديث المشكلة،
والحديث المشكل هو الحديث الذي يتعارض ظاهراً مع آية قرآنية أو مع العقل أو مع حقيقة تاريخيّة أو مع أمر معلوم من الدين بالضرورة أو مع ناموس طبيعي مشاهَد..
وهو حديث صحيح لا اعتراض عليه، إذ لو كان فيه أدنى ضعف لرُدَّ، وما أحدث إشكالاً يُتوقًّفُ عنده.
وقد ألف العلماء في الحديث المشكل، مؤلفات بارعة، تناولوا فيها تلك الأحاديث بالدرس وأثبتوا سلامتها وتساوقها مع العقل أو الشرع أو التاريخ، وغيرها من المسائل
التي تعارضت معها في الظاهر.

السؤال الثالث:

الحرب على الإسلام، حرب قديمة جديدة، ولكن يتعرض الإسلام:
( قرآنه ونبيُّه وشريعته ومقدساته ) في هذا العصر إلى حرب مجنونة مسعورة...
وكأن الأعداء قد تقاسموا هذه الحرب، فبعضهم يشن حملة على القرآن الكريم مصدر الإسلام الأول، وبعضهم على السنة النبوية المطهرة، وبعضهم على الشريعة الإسلامية الغراء،
وهذا مسلسل الإساءات على أشرف مخلوق عرفه التاريخ سيد ولد آدم أجمعين محمد
صلى الله عليه وسلم، حيث تتزعم هذه الحملة الخبيثة الدانمارك، التي تدعي الحرية والديمقراطية... فما الرد العلمي على هؤلاء القوم السفهاء السفلة ؟

الجواب:

إنّ العدوان على الحق قديم قدم البشرية، وإن نصيب الرسل الكرام، من هذا العدوان كبير وكبير جداً، في حياتهم وبعد مماتهم عليهم الصلاة والسلام، وبالنسبة إلى رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فقد قاومه صناديد قريش المنتفعون بشركهم، حيث كانت لهم القيادة والسيادة في قبائل العرب.
فلما جاء الإسلام بالعقيدة الصحيحة، وأبطل الشرك والوثنية، ثار هؤلاء المشركون،
ضد الإسلام وحاولوا إلصاق الكثير من التهم برسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم.
إلا أنّ عقلاء المشركين وصناديد رجالهم لم يسفُّوا في خصومتهم الرسولَ صلى الله عليه وسلم، وكانوا يعرفون له قدره ومكانته، كما كانوا يؤمنون في قرارة أنفسهم بصدق محمد وأمانته وبعظمة الكتاب الذي جاء به وبأنه كتاب لا يمكن لبشر أن يأتي بمثله،
فهذا الوليد بن المغيرة وهو من أشدّ خصوم الرسول صلّى الله عليه وسلم لم يسعه ما كان يتيقنه في قرارة نفسه من تفرد القرآن ومن كونه فوق ما يستطيعه بشر إلا أن يصارح قومه بقوله:”والله إنّ لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنّه ليعلو ولا يُعلى عليه، "وإنه ليحطم ما تحته ". "
هكذا كان كبار الخصوم من الأشراف يتصرّفون،
بينما سفلة القوم وسفهاؤهم من أمثال الشقيّ عقبة بن أبي معيط، فقد كان يسف
في مخاصمة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وإن إسفاف هؤلاء المصورين و رسامي الكاريكاتير في الدانمارك وهولندا وغيرهما
من البلاد الأوروبية، يُترجم سفههم ويبين أنّهم من سفلة القوم الذين يأتون ما يليق بهم من القبائح التي لا يرتضيها العقلاء لأنفسهم حتّى وإن كانوا لا يؤمنون بالإسلام ويناوئون عقيدته ويعادون شريعته.
وإنّ القرآن الكريم قد برّأ الرسول صلى الله عليه وسلم من كلّ ما يفتريه المفترون، ويتخرّصه المتخرّصون. و كفاه الله المستهزئين، فقال تعالى: ( إنا كفيناك المستهزئين ).
كما أنّ حياة النبيّ صلى الله عليه وسلم منذ ولادته وحتى التحاق روحه بربّها، تنضح أمانة وعزة وكرامة وسموًًّا ورفعة، يعترف بهذا القاصي والداني والعدو والصديق.
ومن يعترض على نصاعة سيرة سيد المرسلين ويشكّك في صدق رسالته إنما يسيء لنفسه وينكر ما تشهد به الخليقة من شرفه وصدق نبوته مما تواترت بنقله الأخبار
وردّده ويردّده المسلمون وغير المسلمين من منصفي أصحاب الديانات الأخرى.

السؤال الرابع:

يثير بعض المستشرقين غير المنصفين كما هي عادتهم في كلّ مرة، شبهة تتعلق بطفولة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يكتنفها بعض الغموض!! فما ردكم على هؤلاء القوم ؟

الجواب:

من المعلوم، أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، هي أوضح سيرة في تاريخ البشر،
فإن آباءه وأمهاته كانوا من أشرف قبائل العرب، وكان صلى الله عليه وسلم معروف التاريخ قبل الولادة وبعد الولادة، وأيام النشأة والشباب حتى المبعث.
ولحكمة بالغة، اختار جمهور العلماء في تعريف السنة، حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها، فقالوا:" هي ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو إقرار أو صفة : "خلقية أو خلقية، حتى الحركات والسكنات في اليقظة وفي المنام قبل البعثة وبعدها.
فحتى ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم، قبل البعثة يعد من السنة عند جمهور العلماء،
للعلم اليقيني أن كل ما صدر عنه هو خلق رفيع ومسلك سامٍ ورفعة وكمالات لا يبلغها إلا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولا تجتمع إلا في الرسول الأكرم المبعوث للعالمين.
وإن اختيار الله تعالى له واصطفاءه لأداء هذه الرسالة الخالدة، ليثبت هذه الحقيقة:
( الله أعلم حيث يجعل رسالته ).
وقد كان قومه يلقبونه بالأمين، دليلاً على نبله واستقامته وشرف سلوكه كله.
وكان موضع ثقة قومه من أهل مكة، حيث كانوا يودعون عنده أماناتهم ونفائس أموالهم، حتّى وهم يخاصمونه ويحاربون دعوته الخالدة.

السؤال الخامس:

يعيش عالمنا الإسلامي اليوم عدداً من التحديات الماكرة، والحملات الخبيثة، والحرب الصليبية الحاقدة، بدافع الحقد والحسد، وخوفاً من انتشار الإسلام في الغرب، حيث تشير الإحصاءات إلى أنه بدأ يتسع ويزيد... فهل لكم أن تلقوا نظرة على هذا الواقع الأليم ؟

الجواب:

يعيش عالمنا الإسلامي عدداً كبيراً من التحديات التي يزيد في عسر مقاومتها وتحدّيها ومغالبتها، هذا التجبر الأجنبي والعدوان الخارجي، الذي يسعى بكل ما أوتي من قوة، وتآمر ودهاء لابتزاز أموال المسلمين وثرواتهم، واجتياح أرضهم، والجوس خلال ديارهم والهيمنة على مقدراتهم والحيلولة دون وحدتهم ونهوضهم من كبوتهم.
وقد درس العلماءُ والمخلصون لهذه الأمة تلك التحديات ووصفوها بدقّة وفحصوها بخبرات فائقة وبينوا معالمها وحددوا لها الدواء ووضعوا لها الحلول، إلا أنها بقيت حبيسة الأدراج، إذ كانت تعوزها الإرادة السياسية التي تحول تلك الآمال إلى واقع،
والتي يمكن أن تحول تلك الدراسات والحلول والاقتراحات إلى أمر عملي ينهض بالأمة ويسير بها نحو الإقلاع الحقيقي اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.
ولعل أولى هذه التحديات هي توفير الحرية للشعوب العربية والإسلامية، حتى تسهم
في خدمة بلادها والنهوض بها على كل المستويات واختيار قياداتها وزعمائها.
فعدم المشاركة الشعبية في حكم البلاد وفي اختيار حكام البلاد، يجعل من هذه القوة الضاربة قوة معطلة، الأمر الذي يشيع داخل بلاد الإسلام، اللامبالاة، وينشر الاستبداد والدكتاتورية، إذ صوت الشعب مغيب وإرادته مجمدة وقوته محيّدة.
فإذا أرادت الأمة أن تنهض، فعليها أن تفتك حريتها، وأن تفرض إرادتها في تقرير مصيرها واختيار حاكمها الاختيار الحر الديمقراطي. وبذلك تتوفر الإرادة السياسية
حيث تستردّ الشعوب سيادتها وتفرض كلمتها فتخدم مصالحها ومصالح أوطانها
وتطرد المحتلّ وتقمع أذنابه وخدّامه من الخونة والمرتدين
الذين لم يتورّعوا عن بيع ذممهم وقمع شعوبهم وتنفيذ رغبات أعداء أمّتهم.

السؤال السادس:

ما رأيكم فيما يسمّى بالديمقراطية، وهل تتعارض مع مبدأ الشورى في الإسلام ؟

الجواب:

المعلوم أن الكثير من الباحثين المسلمين دعوا إلى إصلاح الحكم بما يتواءم مع روح الإسلام ومبادئه من شورى وبيعة ونحو ذلك.
وإني أعتقد أن ما يعرف في الغرب بالديمقراطية والاقتراع أو الانتخابات لا تتعارض
مع ما جاء به الإسلام ودعا إليه من وجوب تحقيق مصالح الناس، ومراعاة احتياجاتهم وظروفهم، وتحقيق العدل والمساواة بينهم، لأن الديمقراطيّة تمثل وسائل وأدوات لتحقيق الاختيار الشعبي والإرادة الشعبيّة.
ولا يشك اثنان في أن قوة الدول مستمدة من قوة شعوبها.
وهذا الاتحاد الأوروبي مثلاً، الذي يمثل قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية ضاربة،
إنما يستمد كل ذلك من المشاركة الحقيقية للشعوب الأوروبية، في دعم هذه الوحدة والحفاظ عليها والسعي لإنجاحها وتنميتها على كلّ الصعد.
فحينما تطالب بعض الأقلام بالديمقراطية والانتخابات الحرة، فلا يعني أنها تنكبت عن الإسلام.
وإذا لم تُرض هذه الوسائل والأدوات شعوبنا ورأت فيها بعْدًا عمّا يريده الإسلام،
فعليها أن تفكر في وسيلة أخرى، تحقق العدل والحرية ومشاركة الأمّة في قيادة الدولة،
واختيار المسؤول،لأن الإسلام يحمل الجميع المسؤولية، ويشرك الجميع في هذه المسؤولية:”"كلكلم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". "
وقد أثبتت هذه الوسائل جدواها في البلاد الأوروبية والغرب عامّة، وها نحن نرى
أن شؤون الحكم قد حلت وأصبح التداول السلمي على كرسي الحكم من التقاليد الرائدة
في أوروبا وأمريكا، والكثير من البلاد التي تنعم بالسلم والأمن، والتي انصرف فيها الحاكم والمحكوم إلى الإنتاج والتنمية والتطوير، إذ أن قضية التداول على الحكم أصبحت مسألة مفروغاً منها،
والحال أن أغلب شعوبنا الإسلامية تعاني من هذه القضية، فتضيع أموال الأمة
ويتشرد شبابها وتنتهك مقدساتها وتغمض العيون عن مخاطر الأعداء ومؤامراتهم، وترتكب المحرّمات والفظائع في سبيل كرسي الحكم.
فهذه معضلة لا بد من إيجاد الحلول العمليّة والمناسبة لها والقابلة للتطبيق بموضوعية وشفافية وعدل حتّى نضع حدًّا لهذا الضياع والتدلّي والتخلّف الذي تعيشه أمتنا الإسلامية وخاصة العربيّة منها، وحتّى نوفّر الأمن الحقيقي لا الوهمي الذي لا يتجاوز حدود وسائل الإعلام، وحتّى نرفع الضيم والقهر الذي تتجرّعه الأمة منذ عهود طويلة لم تعرف فيها إلا الاستبداد المصحوب دائمًا بالتذيّل والتبعيّة للعدو المحتلّ وضياع مصالح الأوطان وحتّى هويّة شعوبها.

السؤال السابع:

ما دور العلماء والدعاة اليوم، تجاه ما يتعرض له الإسلام والمسلمون من حملات تشويه وإبادة؟

الجواب:

إن دور العلماء هو إظهار الحق وإبراز ما تنطوي عليه شريعتنا الغراء، من قيم عليا وأخلاق رفيعة وتشريعات ربانية لا يأتيها الباطل، كما أن من مهامهم الكبيرة كشف الترهات والأكاذيب التي تحاك ضد الإسلام من خصومه الصليبيين وأعدائه العلمانيين، ومن لف لفهم من الليبراليين وغيرهم من أصحاب التسميات القديمة والحديثة.
إلا أن تنفيذ آمال العلماء ونصائحهم وإرشاداتهم، موكول إلى السلطة، وقد أثر عن عثمان بن عفان وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، قولهما:
يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
وإن استشراء الكثير من المخاطر وانتشار العديد من الشرور، رغم تنبيه العلماء، ورغم نصائحهم، يعود إلى أنهم لا يملكون القوة التنفيذية ولا التأثير في تلك القوّة، التي تستطيع وحدها تحويل الفكر والدعوة إلى واقع معيش،
فاتفاق السلطة مع العلماء وتعاونهما معًا أمر مهم جداً، وضروري جداً،
لتحصين مجتمعاتنا وأوطاننا من المخاطر الدخيلة والغارات الخارجية المتتابعة.
ومن السلبيات التي يعاني منها العلماء في بلاد أهل السنّة والجماعة خاصة هي تدهور أوضاعهم الماديّة الأمر الذي جعل أصواتهم خافتة ضعيفة أو منعدمة، فأغلبهم موظّفون أجراء لدى السلطة التي استولت على أموال الأوقاف التي كانت توفّر لأهل العلم شيئا
من الاستقلاليّة التي كانت تمكّنهم من الإصداع بالحقّ عندما يتوجّب ذلك.
فإحياء مؤسّسة الأوقاف التي أنشأها الرسول صلّى الله عليه وسلّم وتفعيل دورها
في خدمة المجتمع بما فيهم العلماء وطلاب العلم سيعود عل الأمة بمنافع لا تحصى.
يتبع... الجزء الثاني...
الجزء الثاني من الحوار مع الدكتور أبو لبابة حسين حفظه الله

السؤال الثامن:

لكم كتاب بعنوان: ( موقف متصوفة إفريقية وزهادها من الاحتلال العبيدي )،
هلا تفضلتم بإعطائنا فكرة عن موضوع هذا الكتاب ؟

الجواب:

المراد بالعبيديين هم المنسوبون إلى عبيد الله المهدي، مؤسّس الدولة الشيعية،
والذي يدّعي ـ كذبًا ـ أنه ينتسب إلى السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
والمعلوم أنها أول دولة باطنية رافضية في التاريخ، قامت في أفريقية:
( وهي الاسم التاريخي لتونس )، وذلك سنة ( 297هـ )، وقد قاومها الشعب السنّي وعلماؤه وزهاده وكل من له قوة، حيث تصدوا لكل الترهات التي جاء بها الروافض،
من ادعاء أنّ أئمتهم أنبياء ومعصومون ومن أنّهم يعلمون الغيب، ومن سبهم لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم، وهذا من أعظم الكبائر التي قد تنزلق بصاحبها إلى الكفر والعياذ بالله تعالى، وتغييرهم لبعض العبادات كالأذان مثلاً،
ومن ممالئتهم لأعداء الأمة، من الصليبيين وغيرهم، ومن نشرهم لبعض معتقداتهم الفاسدة، التي تتعارض مع العقل والنقل الصحيح، مثل:الرجعة، والوصية، والعصمة، ونكاح المتعة وغيرها من المفاسد.
فمنذ لحظة دخول هؤلاء الروافض إلى تونس، وقف الشعب عن بكرة أبيه بقيادة تلاميذ الإمام سحنون رحمه الله، في وجه هؤلاء الباطنية، وقاوموهم مقاومة لا تعرف المهادنة، قاوموهم بالفكر عبر المجادلات الكثيرة، كما قاوموهم بالمقاطعة وعدم التعامل معهم، وقاوموهم بالسلاح.
وإن كره المسلمين في إفريقية هؤلاء الروافض الباطنية، وخاصة في مدينة عقبة بن نافع”القيروان”حمل العبيديين على بناء مدينة بعيدة نسبياً عن القيروان، هي:( المهدية )،التي انتقلوا إليها سنة( 303هـ )، وحتى بعد انتقالهم إلى المهدية بقي أوار الثورة ضدهم مشتعلا حتّى اضطرُّوا إلى الانتقال إلى مصر سنة ( 359هـ ) في عهد خليفتهم الرابع المعزّ لدين الله الفاطميّ، وولّوا بعدهم الصناهجة أو الصنهاجيين، مقاليد الحكم،
إلا أن المقاومة لم تفتر، وبقيت جذوتها مشتعلة، إلى أن تمكن الشعب من تطهير البلاد منهم ومن عقائدهم الفاسدة. الأمر الذي أغضب السلطة الفاطمية القائمة بمصر،
فأرسلت أعراب صعيد مصر إلى إفريقية لاحتلالها وهدم ما فيها من معالم الحضارة
والعلم والتمدن.
وقد تأثرت البلاد بهذه الهجمة، فسادت الفوضى، إلى أن جاءت سَنَةُ الأخماس( 555هـ )،
حيث وصل الموحّدون، فأعادوا الأمن والسلم، وتسلّم الحكم منهم الحفصيون
فبعثوا في البلاد من جديد، جذوة التحضر والتقدم القائمة على العلم والعمل الصالح فأنشؤوا المدارس المتنوعة وعمّروها بالمكتبات، وأجروا على العلماء وطلاب العلم المرتبات المناسبة، وشقوا الطرق وبنوا القناطر وطوروا الزراعة والصناعات المختلفة.
هذا هو موضوع هذا الكتيب الصغير، الذي نشر سنة:( 1979م ) بالرياض.

السؤال التاسع:

ما سر اهتمام العلماء المغاربة، قديماً وحديثاً، بصحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى ؟

الجواب:

بادئ ذي بدء، لا بد من الإشارة إلى أنّ أهل المغرب عُنُوا بصحيح البخاري وصحيح مسلم معًا عناية بالغة، وليس أدل على عنايتهم بصحيح البخاري، من شرح ابن بطال الأندلسي المتوفى في سنة:( 449هـ )، الذي يعدّ من أقدم شروح البخاري، بعد الخطابي (ت388هـ) كما أنّ شرح ابن التين الصفاقسي المتوفى سنة:( 611هـ )،
يعدّ شرحًا متميّزا، وقد اعتمد عليه كثيرًا ابن حجر العسقلاني في موسوعته الخالدة
فتح الباريّ.
إلا أن تقديمهم مسلمًا على البخاري، لا يعني أنه أصحّ منه، بدليل أن ابن حزم الظاهري المتوفى سنة ( 456هـ ) يقدم مسلماً لا للأصحية ولكن لحسن الترتيب.
ومن هنا تتجلى لنا أسباب تقديم أهل المغرب صحيح مسلم على صحيح البخاري،
ذلك أن صحيح مسلم لم يتضمن إلا الحديث المتصل المرفوع، فجمع في كل باب
جملة وافرة من الأحاديث المسندة المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم
التي يراها تخدم موضوع الباب الذي أدرجها فيه، بدون تكرار وبدون تقطيع،
فهذا الأمر جعل هؤلاء العلماء يقدمون مسلماً، ويولونه مع البخاري كبير عنايتهم.
أما بالنسبة للأصحية والصنعة الحديثية، فإنهم جميعاً يقرون بها للبخاري،الذي يحلونه المرتبة الأولى، ويجعلون مسلماً في هذا الباب تلميذاً للبخاري ومريداً يحتلّ المرتبة الثانية بعد شيخه.
وكان أول شارح لصحيح مسلم من أهل المغرب، الإمام المازري المتوفى سنة ( 535هـ ) رحمه الله، دفين المنستير بتونس، وقد عنونه بـ( المعلم بفوائد مسلم)
والذي حقّقه واعتنى به شيخنا العلامة محمد الشاذلي النيفر،
وأشرف على طباعته طبعات عديدة.
وتلاه تلميذه بالإجازة القاضي عياض اليحصبي السبتي المتوفى سنة ( 544هـ )
رحمه الله، في كتابه: ( إكمال المعلم بفوائد مسلم ).
وبعده علي بن أحمد الوادي آشي(ت609هـ) في كتابه:”"اقتباس السراج في شرح صحيح مسلم بن الحجّاج "."
ثمّ علي بن عمر القرطبيّ (ت656هـ) في كتابه”"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب صحيح مسلم ". وغيرهم.. "

السؤال العاشر:

لم لم يُعدَّ كتاب الموطأ ضمن كتب الصحاح الستة ؟

الجواب:

إن الحديث المتصل المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، الوارد في الموطأ يعد الأصح والأقوى في الحديث الصحيح، ويكفي أن نذكّر بأن سلسلة الذهب عند الإمام البخاري وأصح الأسانيد لديه، هي: مالك عن نافع عن ابن عمر.
كما أنّ الإمام البخاريّ رحمه الله، حينما يورد حديثاً لمالك في جامعه الصحيح فإنه يصدّر به الباب، دلالة على أفضلية هذا الحديث وأنه أصحّ ما في الباب.
فالذين لم يدخلوه ضمن الصحاح، تغلبت عليهم الصنعة الحديثية، إذ أن الموطأ لم يَتَمَحَّضْ للحديث، وإنما ضمنه الإمام مالك رحمه الله إلى جانب الحديث المتصل المرفوع عدداً من البلاغات والموقوفات، كما تضمن عمل أهل المدينة، بالإضافة إلى فتاوى فقهاء المدينة، واجتهادات كبار الصحابة التابعين، واجتهادات الإمام مالك نفسه.
هذه الملابسات هي التي حالت بينه وبين إدراجه ضمن الكتب الصحاح الستة،
وإلا فإن ما فيه من المتصل المرفوع يعد ـ كما ألمعنا ـ من أرقى أنواع الصحيح.
ولا بد هنا من الإشارة إلى أن كلّ ما ورد فيه من بلاغات وموقوفات ومقطوعات،
ثبت اتصالها وصحّتها، وقد أوصلها ابن عبد البر في كتابه: ( التمهيد ) إلا أربعة أحاديث، تولى وصلها ابن الصلاح في كراس مستقل. كما أنّ الإمام السيوطي في كتابه: تنوير الحوالك في شرح موطأ مالك يقول:”الصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء ".

السؤال الحادي عشر:

ما حكم الحديث المرسل عند جمهور المحدثين ؟

الجواب:

حكم الحديث المرسل عند جمهور المحدثين هو الضعف.
وأول من ضعفه هو الإمام مسلم رحمه الله، أما الإمام مالك والإمام أبو حنيفة فإنهما يعتبران المرسل في حكم المتصل.
بينما الإمام الشافعي يعمل بالمرسل بشروط خمسة، فقد اختار أن يسلك المنهج الوسط
بين من يعمل بالمرسل، ومن يردّ المرسل.
والشروط الخمسة هي:
أن يكون الحديث المرسل من مراسيل كبار التابعين.
وأن يُرْوى من وجه آخر حتى وإن كان مرسلاً مثله.
وأن يعتضد بقول صحابي.
أو يؤيد بعمل أكثر العلماء.
وأن يكون الراوي المرسل للحديث لا يرسل إلا عن ثقة. وإذا سمى المرسِلُ من أرسل عليه يكون ثقة.
ومع ذلك فإن الحديث المرسل لا يكون في رتبة المتصل، حتى وإن توفرت فيه هذه الشروط الخمسة.

السؤال الثاني عشر:

ما دور الجامع الأزهر بمصر، وجامع الزيتونة بتونس، في خدمة الإسلام والمسلمين،
والدفاع عن قضايا المسلمين العادلة ؟

الجواب:

لا يخفى على أحد أن الأزهر الشريف منذ أن أنشئ، وهو يضطلع بمهمة نشر العلم،
ومنذ أن قام صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، القائد الملهم الذي كسر شوكة الصليبيين،
وقام بتحصين الجبهة الداخلية، وطهّر الأزهر من آثار الرفض أصبح الأزهر
إحدى المنارات الكبرى في نشر الإسلام الصحيح عقيدة وشريعة وأخلاقاً وفكراً،
وهو ما يزال منذ ذلك الحين إلى يوم الناس هذا، مهوى قلوب المسلمين ومرجعهم، وملجأهم كلما حزبهم أمر مهم يتعلق بدنياهم وآخرتهم.
وإن الأزهر في كل عهوده كان يتولى خدمة الإسلام والمسلمين، لا في مصر وحدها، ولكن في بلاد الإسلام كلها، مشرقاً ومغرباً.وبنظرة سريعة إلى الأقطار الإفريقية والآسيوية والأوروبية والأمريكية،
نرى أن أبناء الأزهر يوجدون في كل صقع من هذه الأصقاع، ينشرون العلم
وينصرون العربية ويدعون إلى الإسلام بالطريقة القويمة القائمة على الاعتدال
والوسطية والعقلانية.
وما يسعى بعض أعداء الإسلام من إثارته من تشكيك في قدرات الأزهر وخريجيه،
ينضوي تحت هذه الهجمة الشرسة التي يتعرض لها عالمنا الإسلامي، بقيادة العلمانيين والصليبيين، والمتغرّبين، يستمدون من ضعف الأمة قوة لهم، ويستقوون بأعدائها
عليها وعلى شعوبنا المغلوبة على أمرها. ومع ذلك فإن صوت الأزهر سيبقى هادراً قوياً، ينفح عن الإسلام ويدافع عن المسلمين، ويرد كيد الكائدين، بالعلم والحكمة والموعظة الحسنة في مشارق الأرض ومغاربها.

أما الزيتونة التي أسسها عبيد الله بن الحبحاب سنة 114هـ وهي لذلك تُعدّ أقدم جامعة إسلاميّة بعد المدينة المنوّرة، فقد حافظت على هوية تونس العربية المسلمة،
ولولاها لتمكن الاستعمار الفرنسي البغيض من اجتثاث هوية الشعب ممثلة في لغته العربيّة ودينه الحنيف، وقد تعرضت تونس في عهد الاستعمار الفرنسي لحملات صليبية وتغريبيّة خطيرة جدّا وسَعَتْ فرنسا بكل ما أوتيت من حقد على الإسلام وكره للعرب والعربيّة
أن تنصّر الشعب بالأكاذيب والخرافات والتلفيقات السخيفة وأن تفرنسه، وقد أغارت عليه في حملة صليبية ماكرة أطلقوا عليها اسم: الحملة الصليبية السلمية وذلك سنة ( 1930م ) والتي تعرف بالمؤتمر الإفْخَارِسْتِي...
وكان الهدف من هذه الغارة هو تنصير الشعب التونسي ( أي تحويله إلى النصرانية )،
وتغيير ملامحه ولغته العربية، إلا أن أبناء الزيتونة تصدَّوا لهذه الحملة الصليبية الشريرة، وأجهضوا أدواتها وأبطلوا سحرها، بالتعاون مع الوطنيين الأحرار الذين لم يتلوّثوا بالفرنسة ولم يتجنسوا بالجنسيّة الفرنسيّة ويخدموا ركاب الاستعمار.
والمعلوم أنّ الزيتونة لم تكن تحفظ لتونس وحدها هويتها، وإنما كانت تظلل بعلمها وتوجيهها الإسلامي العربي بلاداً إفريقية عديدة، وفي مقدّمتها الشقيقة الجزائر المجاهدة، وبلاد غرب إفريقيا، حيث كان أبناؤها المسلمون يبتعثون إلى جامع الزيتونة، ليمتحوا
من علمه، ويشربوا من ورده الطهور.
فكانت آثار الزيتونة قائمة في شمال إفريقيا وفي غربها عبر تلاميذها وطلابها،
وما كانوا يعودون به إلى بلادهم من علم شرعي وعربية لا تأتيها العجمة،
حيث كان شيوخ الزيتونة أمثلة حية للفصاحة والبلاغة والعناية بلغة الوحي العزيز:
العربية الشريفة المشرّفة.

السؤال الثالث عشر:

ما رأيكم في التصوف الإسلامي والصوفية ؟

الجواب:

يستمد الصوفية كينونتهم من الزهد والتقشف، الذي دعا إليه الإسلام، حيث لا يمنع الإسلام التمتع بمباهج الحياة لكن دون إيغال وإسراف...
فقد قال الله تعالى: ( وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين ).
( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق... ).
والمعلوم أن دواوين السنة وأمهاتها، لا يخلو واحد منها، من كتاب موسوم بكتاب الزهد.
وقد ألف القدامى، وفي مقدمتهم الأمام عبد الله بن المبارك، المتوفى سنة ( 181هـ ) رحمه الله، كتابا في الزهد، كما أن إمام الأمة أحمد بن حنبل المتوفى سنة ( 241هـ ) رحمه الله، قد ألف في هذا المجال، كتابا، كان له الأثر البعيد في نفوس طلاب الزهد والتقشف، وكذلك ألف الإمام أبو بكر البيهقي المتوفى سنة ( 458هـ ) كتابا في الزهد أيضا.
إلا أن التصوف بمرور الزمن اتخذ طابعا فيه الكثير من الإسراف في البعد عن الحياة، وهذا لا شك خلل فادح، ونكوص واضح، عن منهج العلماء الكبار الذين أسّسوا الطرق الصوفية، أو أولئك الذين نسبت تلك الطرق إليه


التعليقات