حوار مع أحمد بن الشيخ أديب كلاس -
وبعد أن انتهى الحوار مع فضيلة الشيخ محمد أديب الكلاس حفظه الله جلست مع فضيلة الشيخ الشيخ أحمد أديب الكلاس ، وطلبت منه أن يحدثنا عن والده فقال:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:
من الصفات التي يتحلى بها والدي الشيخ أديب الكلاس: حبه للحق، وكراهيته للظهور مع ما يمكن أن يجمع بينهما من الزهد، والتقشف، ولا ينظر إلى بهارج الأمور أبداً أبداً.
حبه للحق يدفعه لأن يأخذ بالكلام ،ولو صدر من صغير إن كان حقا.
حبه للحق يدفعه لأن يرجع إلى الحق وإن كان المتكلم صغيراً, أو تلميذاً أو دونه, أو ولدا عرفنا ذلك منه.
هو بالحق صارماً ومستقيماً, ولا يأبه بهذه الدنيا بكل زخرفها هذا ما نعرفه عن سيدي الوالد وطلب مني كما ذكر أن اتابع دراستي حتى لا يكون تمادي في الرزق عن طريق الدعوة إلى الله بل يكون الرزق مستقلاً عن الدعوة إلى الله هذا ملخص.
ومما يتحلى به والدي: أنه يحترم مشايخه دائماً، ويوصي طلبة العلم كما في إجازاته المعروفة التي يعطيها للطلاب بالالتزام بالمذاهب الأربعة، وما ثبت عنهم - أبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، وما ثبت عن أحمد بن حنبل، والإمام مالك - هذا ما يوصينا به ويقول: هؤلاء أئمتنا، وهم حفظوا لنا ديننا كابراً عن كابر، ويقول أيضاً هناك أئمة غيرهم ولكن لم يصل إلينا مذهبهم بالتواتر والتلقي.
هل يمكن أن تحدثونا عن مسيرة الشيخ الدعوية؟
والله هذا سؤال جيد, وأعجب ما فيه حرصه على طالب لعلم لا يسأله عن اسمه إذا طلب منه أن يقرأ كتاباً مبسطاُ في الفقه, وفي العربية, وفي الأصول، وفي التفسير، يقول يا ولدي: هذا برنامج دراستي وتدريسي انظر وقتاً يناسبك ثم تعال إلي، وربما تجد الشيخ يقرأ الكتاب مرتين أو ثلاث مرات أو ستة مرات في نفس اليوم لأنه لا يتناسب مع وقت بعض التلاميذ، وأذكر مرة أنه طرق الباب طالب قد تأخر عن درسه يأتي وحده فقط وكان والدي قد خرج من الدرس، والدروس تتوالى وتتوافد درسا بعد درس، فلما تأخر الطالب قام الشيخ إلى غرفة المعيشة، وجلس هناك ينتظره قالت والدتي رحمها الله أأعد لك طعاما؟ قال انتظري حتى يأتي الطالب فجلس وأخذته سنة من النوم ثم طرق الباب ففتح أخي فقال الطالب: الشيخ موجود؟ قال نعم ولكنه نائم قال دعه نائماً، ثم انطلق ثم قام والدي وقال: أين التلميذ ألم يأت الطالب؟ قالوا بلى، وقلنا: إنك نائم, قال: لما فعلتم ذلك؟ كيف أغلقتم باب رزقي مع الله؟ أتدرون أن في عالم المال يبيع الرجل ولو قليلاً قليلاً حتى يكسب؟ّ! وأنا هذا باب رزقي مع الله ولا تغلقوا دكاني وحانوتي بصرفكم الطلاب أنا رزقي عند الله، وأجري على الله .
وكان إذا أتى الطالب يقرأ وإذا غاب لا يسأله فلا يقول لماذا غبت ولا يسأله عن اسمه ولا يطلب منه ولا يكلفه بشيء أبداً أبداً أبداً.
هل يمكن أن تحدثونا عن الزوجة الصالحة والأم المربية وعن مسيرتها مع الشيخ؟
رحمها الله كانت عنصر خير رحمها الله، وكانت تحب العلم والعلماء، وكانت تجتهد وتقتصد ليظهر والدي بمظهر حسن.
أذكر مرة ونحن صغار قالت: يا سيدي ينبغي لك أن تتخذ جبة أخرى ليوم الجمعة، قال ما لهذه الجبة؟! هذه جيدة, قالت: آلت إلى البلى ،لابد من جديدة قال: هي جيدة، قالت: لابد قال: لا يوجد عندنا مال قالت: ندخر. ادخروا مالاً حتى جُمع المبلغ. اشترى الشيخ القماش, وأخذها إلى الخياط فلبسها مرة واحدة خرج بها إلى صلاة الجمعة ثم عاد فخرج بها إلى المعهد ثم عاد دون جبة ،قالت أمي أين الجبة؟ قال: عندك في الخزانة قالت الجبة الجديدة أنا أسألك عن الجبة الجديدة؟ قال عندك جبة في الخزانة, قالت الجديدة أين ؟ قال احمدي الله تعالى أنني لم أذهب معها. قالت أريد أن أسألك عن الجبة إذا نسيتها نرسل الولد ليأتي بها قال: دعيك منها, عندنا ما يغني عنها, لما أصرت وأصرت غضب وقال: أعجبت طالباً فألبستها إياه ثم قلت هي لك.
هذه المرأة رحمها الله كانت تحب العلم, وتحب قراءة القرآن ، وكانت أنظار الشيخ صالح فرفور عليها, وكان يوصي بها والدي رحمها الله، وكانت توصيني بطلب العلم كنت ابن إحدى عشرة سنة أو اثنا عشرة سنة ربما، أوصتني عام 1968 بعد احتلال القدس وكان الشيخ صالح فرفور رحمه الله يعدّنا لاحتفالٍ بمناسبة الإسراء والمعراج ,قالت: اذهب فاكتب كلمة تخطبها بين يدي الشيخ صالح، وأنا كنت بالابتدائي قلت أستحي، قالت: لا ينبغي أن تستحي سألبسك قميصاً جديداً وبنطالاً جديداً ,ولا تكلم أحداً واذهب إلى الشيخ صالح فرفور ولا تكلم أحداً، ولا تكلم أباك. إذهب إلى الشيخ ،فجئت إلى الشيخ فقبّلت يده وقلت له: هذه الخطبة أريد أخطبها. قال: من كتبها لك أبوك؟ قلت: لا قال: من كتبها لك أمك؟ قلت: لا قال: من كتبها؟ قلت: أنا. نظر إليّ الشيخ وبالتأكيد وجد فيها تعبيراً ربما لا يحمل المستوى الذي يجلسون به،قال هل تحفظ أبياتها؟ قلت: نعم قال: قل الأبيات فقط ،وقال والدك لا يخطب بالورقة نريدك أن تخطب بلا ورقة فقُدّمت فقلت:
القدس والأقصى يزينها مسرى النبي يا ساجد عمر
فقال الشيخ صالح فرفور أليس حراماً أن يكون في المدارس حتى الآن هذا سيكون خطيب مساجد.
وكانت رحمها الله مقتصدة محبة للخير وللدعوة إلى الله حتى مع أترابها من النساء، وكانت عندما سُرح والدي قالت: لا تبتأس سنأكل خبزاً يابساً وماءً.
بلغت من الرقي الروحي أنها كانت ترى ما سيحدث، وكانت تحدّث عما يكون في المستقبل القريب (هنا قاطع الشيخ ولده وقال أخذتها إلى الشيخ الحارون وأعطاها أوراداً فاستفادت فوائد عظيمة هل تسمع بالشيخ الحارون؟ من كبار الأولياء والصالحين).
أخذها والدي إليه فأخذت عنه بعض الأوراد، وأخذت أيضاً عن الشيخ سعيد البرهاني، ودَعته إلى دارنا في القيمرية، وأنا كنت حينها صغيراً, ووضعت له الطعام واحتفى به والدي.
وكانت توصيني وتقول لي يا أحمد: لا أريد أن أرى رخاماً من الخارج ،وسخاماً من الداخل، فكانت تكلم القلوب رحمها الله.
من أي عائلة كانت رحمها الله؟
كانت رحمها الله من أقارب سيدي الوالد فقال الشيخ: أبوها ابن عمتي.
هي من عائلة رمضان من الميدان.
وكانت في بداية زواجها من سيدي الوالد على قلة وفقر, وكانت تزورها أمها يوماً في الأسبوع ، فكانت في ذلك اليوم تطبخ الطبخ متغيّراً متلوناً حتى ترى أمها طبخاً جديداً، وطعاماً جديداً كلما تأتي، وباقي الأسبوع على ما يسر الله.
وكانت تتمنى أن تكون عالمة لكن الله تعالى أعطاها حكمة في الحقيقة.
هل يمكن أن تحدثوننا عن دعوة الشيخ لعامة؟
هذا يذكرني بما أمرتي به، وأوصاني به يوم صعدت المنابر فقال لي: يا ولدي تكلم بالإيمان, وما يجمع الناس، وكان إذا تكلم للناس ولا يقاطعونه، وإذا فرغ أجابهم، وما كان يحب أن يقاطعه أحد.
وكان نصحه للعامة بلطف إلا إذا كان الموقف يحتاج إلى شدة عندئذٍ لابد من الشدة ، العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة.
هذه بعض صفات الشيخ، إن وجد اللين تكلم به، فإن احتاج الرجل إلى شدة لردعه ليرجع إلى الحق والصواب كان لا يتأخر.
سيدي: اذكر أننا كنا مع الشيخ في بيت الأخ حسن الجدا فأعطى أحدهم بطاقة دعوة للشيخ لحضور مولد نبوي ، واذكر أن وقت المولد كان يتعارض مع وقت الدرس فقال الشيخ ما هو رأيكم أنذهب للمولد أم أننا نقيم الدرس؟ فكانت رغبتنا أن لا يذهب الشيخ لحفل الولد حتى لا يفوتنا الدرس فقال لنا الشيخ: لماذا نقرأ العلم؟ ألسنا نقرأه من أجل العمل به؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا دعيت فأجب فمن باب العمل بالعلم نجيب الدعوة، وهذا مما استفدناه من شيخنا ،وكان الشيخ مربيا بحق.
وأذكر لك أكثر من ذلك دخل مرة إلى حفلة وجد بها طالب علم يتكلم كلاماً فأخطأ فيه وربما لا يناسب، ونال من العلم والعلماء فصرخ عليه والدي بأعلى صوته (اخراس تضرب بهالراس) في نصف الحفلة وقام يريد ضربه ثم اجتمع الناس وخرج والدي منزعجاً بعد ذلك جاءوا إلى البيت قالوا : نريد أن نصلح بينك وبين فلان , قال ليس بيني وبينه شيء أبداً أنا الآن أقبل يده وهو أصغر مني لكن هناك حدود لكلامه, ومن يعظم شعائر الله ذلك من تقوى القلوب إذا أخطأ لن نسكت له .
ما هي المساجد التي خطب فيها في دمشق ؟
خطب يا سيدي تسلم الإمامة أولاً في جامع سيدنا أبي كعب الأنصاري في باب شرقي ، ثم جامع تحت القناطر وكان يخطب فيه ثم حدثت الوحدة بين سورية ومصر وكان قد قال يومئذ والفضل لمن تنازل لأخيه عن الكرسي يذكر شكري بك القوتلي رحمه الله , وخطب في جامع القطاط, وخطب في جامع تنكز, وخطب في جامع الخير في امهاجرين, وخطب في جامع الشمسية وخطب في جامع الحمد , وخطب في جامع السنانية, وخطب بعض الخطب في الجامع الأموي، وكان يخرج إلى سجن المزة ويلقي الخطب هناك، وكنت صغيراً يأخذني معه , وصنعوا مولداً هناك وكان عدنان المالكي موجود وكان الشيخ صالح الفرفور موجود كان عدنان المالكي محبوس وقام فوزع الملبس هذا ما أذكره .
كيف أسس معهد الفتح الإسلامي ؟
سمعنا من سيدي الوالد (فقاطع الشيخ أديب ولده الشيخ أحمد وقال : كنا في جامع فتحي وأتت الأحزاب والمخالفات السياسية للمشايخ وبعضهم نجح في الانتخابات في البرلمان ولا يحملون أفكاراً اسلامية أبداً ونحن ندرس ونريد مجموعة إسلامية تدرس الشريعة كنظام وحزب فأعلن الشيخ صالح معهد الفتح الإسلامي وكان ذلك من جامع فتحي واختار هذا الاسم حتى إذا سألنا عن ذلك نقول نحن لا يوجد عندنا حزب ونحن اخترنا اسم المسجد الذي نحن فيه .
ثم قال الشيخ أحمد : يحدثنا والدي أنه في تلك الأيام عام 1956 كانت الأحزاب حرة وكان الشيخ صالح فرفور يأبى أن يدخل أحد من تلاميذه أو طلابه إلى أي من هذه الأحزاب وكانوا يحملون شعارات إيمانية أو لا يحملون أبداً يقول: (يابا نحن على طريقة الشيخ بدر الدين الحسني رحمه الله يابا هذا طالب علم) فلم يشتغلوا بالسياسة أبداً
المهم تثقيف الأمة وتعليمها دينها ولما تتعلم الأمة تتكون الحضارة في البلد.
هذا المبدأ فكان يقرؤهم في جامع فتحي في القيمرية ولما أراد إشهاره سنة 1956 سماه جمعية الفتح الإسلامي التي تقوم على التدريس والتعليم ومحو الأمية, وإغاثة الفقراء والاحسان إلى طلاب العلم ثم نشأ بعدها معهد الفتح كما تعرفون ،وأنتم بعض بعض ثمراته .
نعم وأنا أعتز بذلك والحمد لله رب العالمين .
سيدي لو حدثتمونا عن أقران وأصدقاء الشيخ ؟
سيدي الوالد عافاه الله تعالى يحب حباً شديداً الشيخ صالح الفرفور لأنه تتلمذ على يديه، ويحب الشيخ عبد الرزاق الحلبي ويعتبره شيخاً له لأنه قرأ بعض الكتب عليه أولاً, ويحب أيضاً الشيخ رمزي البزم رحمه الله , ويحب الشيخ عبد القادر الأرناءوط رحمه الله وكان الشيخ عبد القادر والشيخ رمزي البزم وسيدي الوالد من الرجال الأبطال الأقوياء الأشداء رياضة وقوة وفتوة وكان يؤثر إخوانه على نفسه.
وأذكر أني سمعت من الوالد أن الشيخ أبو سليمان الزبيبي عندما أتى كان يحمل في عقله محبة عنتر وما يتصل بعنتر من رجولة أو فروسية وكان عنده صور لعنتر والزير سالم فجعله الشيخ صالح فرفور عنده في الغرفة وأتى بالصور وقال هذه جيدة لا بأس بهم لكن ضعفهم الآن لا تعلقها في غرفة المسجد حتى تعلم الشيخ أبو سليمان الزبيبي رحمه الله هو الآخر ثم أرادوا مرة أن يذهبوا إلى برزة على الجبل لينصبوا خيمة على الجبل هناك هكذا أوصاهم الشيخ حتى يجلسوا في ليالي الصيف الجميلة فحمل والدي الخيمة واستأثر بحملها ليريح رفاقه فجاء الشيخ أبو سليمان يصر حملها فما كان من والدي إلى أن حمله معها وقال أخرج بك حتى أصل إلى الجبل قال دعني سأتركها لك.
فكان يفضل أقرانه على نفسه وهنالك أكثر من قصة وهي في الحقيقة لها شان كبيركما قال الله تعالى ((وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) .
هل للشيخ مؤلفات أو أبحاث مطبوعة أو مكتوبة ؟
كنا نقول له ذلك دائماً فكان يقول : وهل نقصت المكتبة الإسلامية حتى نزيد فيها أعطونا من يقرأ مالا يوجد في المكتبة الاسلامية ثم تعلموا أنتم وألفوا .
جزاكم الله خيراً وبارك والحديث مع الشيخ في الحقيقة لا يمل أبداً نسأل الله العافية
وفي الختام قال الشيخ أحمد : ماذا تنصحنا في ختام هذا اللقاء؟
قال: الأمور الشرعية المفروضة علينا لا نتهاون فيها أبداً . وبعد ذلك الكسب الحلال من صنعة أو تجارة بطريقة تكون مشروعة وحلال وأن لا نتداخل في الأمور السياسية ولا الحزبية أبداً أبداً .
والحمد لله رب العالمين.