حلاوَة الإيمان

للإيمان حلاوَة لا تعدلها حلاوَة، في الحديث الشريف: ( ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلاّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ )[ رواه البخاريّ في كتاب الإيمان برقم/15/ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه].

وفي الحديث الشريف: ( ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً )[ رواه مسلم في كتاب الإيمان برقم /49/ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه].

وفي الحديث القدسيّ: ( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها مخافة منّي أبدلته إيماناً يجد حلاوَته في قلبه ).

وإذا ذاق المؤمن حلاوة الإيمان زهد بالدنيا وما فيها، وهانت عندَه ملاذّها وشهواتها، ورغب في الآخرة دار النعيم المُقيم، وتحمّل في سبيلها السخريَة والأذى.

من أجل هذه الحلاوَة هجر المتعبّدُوْن لذيذ النوم، وصفُّوا أقدامَهم في الليل، وباتوا لربّهم سجّداً وقياماً، وصاموا عَنِ الطعام والشراب والشهوات، تقرّباً إلى ربّهم عزّ وجلّ.

وأكثروا من النوافل تحبّباً لموْلاهم تبارك وتعالى، وتحمّل المسْلمون الأوّلون العذاب متمسّكين بدين الله، وتركوا الأهل والديار والأموال مهاجرين في سبيل الله، وبذلوا الأموال والأرواح مجاهدين في سبيل الله..

فحلاوَة الإِيمَانِ الغالبة هي التي دفعتْهم إلى هذهِ الفضائل، وأنستهم الشدائد والآلام.. وسواء في ذلك المؤمنون الصادقون في الأمَم السابقة، والمؤمنون الصادقون في هذه الأمّة.

من ذلك ما قصّه الله علينا في كتابه الكريم:

ـ من قصّة أصحاب الكهف الذين خرجوا هائمين على وجوههم هاربين بدينهم، فارّين إلى الله عزّ وجلّ.

ـ وقصّة سَحرة فرعون آمنوا بالله، وهدّدهم فرعون بقوله: {.. فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ، وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ، وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ، وَالَّذِي فَطَرَنَا، فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ، إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) } طه.

ومن ذلك ما قصّه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عمّن كان قبلنا: كقصّة صاحب الحديقة، والسحابة التي أمطرتها، وتصدّقه بثلث محصولهَا.

وقصّة الساحر والراهب والغلام، ونشر جليس الملك بالمنشار على مرأى من الغلام، مع الثبات على الإيمان، وعدم اكتراث الغلام بالتنكيل والتهديد، ودلالته الملك على طريقة قتله، باذلاً روحه رخيصةً في سبيل الله، طمعاً في إيمان من آمن مِن الناس.

وقولُه صلى الله عليه وسلم، حين شكى إليه أصحابه ما يلقون من المشركين: ( قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ.. )[ رواه البخاريّ في كتاب الإكراه عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ رضي الله عنه برقم /6430/].

ومن ذلك ما نقرؤه في حياة الصحابة رضي الله عنهم من عجائب: كصبرهم رضي الله عنهم في مكّة ثلاث عشرة سنة علَى الأذى، وهجرتهم بعد ذلك إلى المدينة، تاركين الأهل والأموال والديار..

ـ وقتل أبي عبيدة رضي الله عنهأباه يوم بدر.

ـ وعرض عمر رضي الله عنه يوم بدر أن يقتل كلّ مِنَ المسلمين قريبه من أسرى المشركين.

ـ وقصّة عمير بن الحمام النصاريّ رضي الله عنه يوم أحد، حين قال رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى جنّة عرضها السموات والأرض، وبشّره رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنّه من أهلها، فأخرج تمرات فجعل يأكل منهنّ، ثمّ قال: لئن أنا حييت حتّى آكل تمراتي هذه إنّها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثمّ قاتل حتّى قتل..

ـ وكقصّة أنس بن النضر رضي الله عنه يوم أحد، حين قال: الجنّة وربّ الكعبة ! إنّي لأجد ريحها من دون أحد.. قال أنس بن مالك رضي الله عنه: فوجدنا به بضعاً وثمانين، ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه وقد قتل، ومثّل به المشركون، فما عرفه أحد إلاّ أخته ببنانه..

ـ وكاستجابة المسلمين لله وللرسول صلى الله عليه وسلم بعد رجوعهم من أحد، من بعد ما أصابهم القرح، فضمّدوا جراحاتهم، وخرجوا في أثر المشركين، قطعاً لطمعهم في العودة إلى المدينة المنوّرة، وقد سمّيت في السيرة: غزوة حمراء الأسد، باسم الموضع الذي وصَلوا إليه، وهو على ثلاثة أميال من المدينة بطريق مكّة.

ـ وكبذل أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه ماله كلّه يوم العسرة.

ـ ومثل هذا كثير في حياة الصحابة رضي الله عنهم، وما حملهم عليه إلاّ حَلاوَة الإِيمَانِ، التي وجدوها في قلوبهم ".