حديث مع رمضان

 

يا رمضان الخير، موسم الخيرات والمبرات، موسم العبادات والطاعات!

نزلت بالمجتمع الإسلامي فرحب بك المرحبون، وسرّ بك العابدون والنساك، وفرح بنزولك المشائخ والأتقياء، أقبلت فأبعدت باغي الشرّ وقربت باغي الخير، ولكن يا رمضان على أسف شديد فقد أعلنت بالرحيل على عجل، يا رمضان الخير والرشد والإيمان، وفدت علينا ضيفاً كريماً وحللت بنا جواداً يعطي القلوب حرارة إيمانية، ويملأها قوة في الروح وحيوية ونشاطاً، ولكن الأسف أننا لم نرفع لك بالاً ولم نعرف لك قدرا، فأوشكت أن تتولى عنا وتعرض، لقد أمطرت علينا بركات من السماء، ولكن يا لشقاء أنفسنا ويا لحرمان طالعنا فقد صرنا عنك في شغل شاغلِ، فمررت مرّ السحاب، وشغلتنا أموالنا وأهلنا، وها أنت الآن قد آذنت بالرحيل، أنت في آخر أيامك وقلوبنا على حالها، فارغة عن التزكية والروحانية، سبكت علينا وابل جودك الإيماني فلم نرتشف منه رشفة،.

رمضان! إنّ قلوبنا تحتاج إلى شحنة جديدة وإلى نشاط جديد، لقد نبذنا بك وبما حللت به علينا وراءنا وضربنابه عرض الحائط، وطرحناك كما تطرح الثياب البالية الخلقة في المستنقعات،

رمضان! يبدو أنك ساخط عنا، لعلك تريد أن تعبر عما أسأنا إليك وما صدرت منا من انتهاك لحرماتك، تريد أن تعبر عن ذلك كله بلسانك وليس لك لسان ناطق ولكن تقول بلسان حالك وحقّ لك أن تنطق وتقول

تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكم عليّ إذاً حرام

لقد أصبت رمضان ولا عذر لنا فنعتذر، فمن فضلك لا تحرمنا من بركاتك الباقية ولا من آثارها التي لا تزال مثل شميم عرار نجد.

رمضان! لا نريد منك إلاّ نظرة عابرة يملأها الخير، وقد رضينا منك ذلك، نظرة شفقة ورحمة على هذه الأمة البائسة المرحومة.

لقد نزل رمضان وذهب ومضى بأطيب أيامه وأحلى ساعات سحوره وتراويحه وأبهج أيام نهاره وأجمل لياليه نوراً وإشراقاً، وقلوبنا على حالها مطمئنة منطوية على الشحناء والبغضاء مليئة بالحقد والضغينة والشرّ والنفاق وسوء الأخلاق، يتبعه العيد الذي هو أكبر مظهر للفرح والسرور وأكبر سعادة ويوم خير للأمة، ذاك احتفالهم الذي يتبادلون فيه المودة والإخاء في ما بينهم ولكن رغم ذلك فما بال القلوب التي لا تطهر أنفسها من الغلّ ولا تنزعه عنها،

فكم حرماناً جنينا وكم شقاء أحرزناه بهذه الغفلة وعدم والتيقظ والتنبه، فهل عنينا بأنفسنا التي تحمل في جنباتها وكوامنها القلوب التي عليها مدارصلاح الأجساد وفسادها وخير الإنسانية وسعادتها وشقاءها، فإذا فسد فسد الجسد كله وإذا صلح صلح الجسد وليس رمضان إلاّ لإصلاح هذا، وذلك ما يقرّب العبد إلى ربه، لأنه لا خير إلاّ لمن أتى الله بقلب سليم.

فالغنيمة الغنيمة ما بقيت ما أيامها للظفر بهذا القلب السليم الذي نأتي الله به.