حديث رمضان: المترفون في القرآن الكريم

إنَّ طعامَ الإنسان وسيلةٌ لتغذية الجسم وبقاء الحياة، واللباسَ وسيلةٌ للوقاية من البرد والحر، والحكمَ وسيلةٌ لتنظيم حياة الجماعة وأمنها، كل هذه وسائل ومثلها كثير في حياة البشر. وقد جعلها الله تعالى محبَّبة إلى النفس لتلتزمها فيتم نظام الحياة وتصل الأمور إلى غاياتها، ولكن كثيرًا ما يقلب الإنسان الوسائل فيجعلها غايات، فيصبح الطعام والشراب واللباس شهوة قائمة بذاتها تُبْتغى من أجل لذَّتها، ويصبح الحكم عند بعض الناس شهوة تُبْتغي لما فيها من لذَّة الاستعلاء على الناس والظهور عليهم، وما فيها من الأمر والنَّهي والسلطان، وما يتبع ذلك من متع ماديَّة وشهوات على حساب الجماعة التي يحكمها ذلك الحاكم، ولا سيما في البلاد التي يتمتَّع فيها الحاكم بأبهة القصور وبالعبيد والخدم والنِّساء والحشم وبالأموال الوفيرة التي يمدُّ إليها يده متى شاء بلا حساب.

إنَّ صوم رمضان من جملة فوائده أنَّه مُذكِّر بأنَّ الشهوات والملذَّات المحلَّلةَ نفسَها ليست إلا وسيلةً، وأنَّ الإسراف فيها والاستغراق يصرف الإنسان عن حقيقة غايتها التي من أجلها جعلت حلالًا وحُبِّبت إلى النفس، وإلى هذا تشير الآية في آخرها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] أي: لعلكم تصيبون الحكمة والتقوى في غير هذه الأيام من أيام السنة، فتكون لكم أيام الصيام نموذجًا وناظمًا لباقي أيام حياتكم.

لهذا كان الترف - وهو الإفراط في التنعُّم والإسراف في الملذَّات - إغراقًا عن الصِّراط المستقيم ومرضًا في حياة الأفراد والجماعات، ومظهرًا من مظاهر الفساد في الأمَّة، فإن معناه انقلاب القيم في الحياة وجعل الوسائل غايات، ولم يرد ذكر الترف في القرآن الكريم إلا مقترنًا بأقبح الصفات.

ذلك أنَّ الذين يتعوَّدون على الترف؛ لا يستطيعون مفارقة اللذات والشهوات وأنواع النعيم ولو أدَّى ذلك الى ظلم الآخرين وأكل حقوقهم، وقد قال الإمام علي رضي الله عنه: «ما جاع فقير إلا بما متع به غني». ولذلك قرن الله تعالى في الكتاب الكريم بين الترف والظلم والإجرام حيث قال: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: 116].

أو ليس من الظلم والإجرام أن يكون في الأمَّة من ينفق المئات، بل الآلاف في ليلة داعرة حمراء على الكؤوس والحسان أو على القمار، وفي الأمَّة مشرَّدون بائسون ومرضى يموتون وجنود في البرد القارص يُرابطون، أليس من الواجب الحجر على أمثال هؤلاء السفهاء، بل زجّهم مع المجرمين في السجون.

إن فُشُوَّ الترفِ في الأمَّة ظاهرة خطرة تنذر بهلاكها وكل أمَّة ابتليت بهذه الطبقة المترفة انتهى أمرها إلى الانقراض والدمار.

ألم يكن الانغماس في الترف والملذات سبب انهيار العباسيين وضياع الملك في الأندلس؟ أليست تتوالى الأزمات اليوم في البلاد التي تسود فيها طبقة منعّمة مترفة؟ وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المرض الاجتماعي وجعل منه قانونًا اجتماعيًّا وسنة من سنن الله في الحياة الاجتماعيَّة، فإذا ظهر الترف وتبعه الفسق وهو لابدَّ تابعه كانت النتيجة الهلاك ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: 16].

ولذلك كانت الطبقة المترفة المستأثرة بالملذَّات دون غيرها هي التي تقف لمعارضةِ دعوات الخير والإصلاح، وهي التي قاومت دعوة الرسل وكذبتهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: 34]، لأنَّهم يريدون بقاء ما كان على ما كان، خوفًا على ما في حوزتهم من منافع وما في أيديهم من أموال، وما يتمتَّعون به من مناعم ولذَّات، فكل تبديل إصلاحي قد ينتقص من هذه المنافع والموارد واللذات، وإلى هذا يشير الله تعالى في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23].

فغير عجيب أن تقف هذه الطبقة في عصرنا هذا دون كل عمل يؤدي إلى إصلاح هذه الأمَّة وجمع شتاتها وتوحيد أجزائها وإقامة العدل بين أفرادها تنفيذًا لحكم الله تعالى.

إنَّ الذين عارضوا دعوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هم أصحاب المنافع وذوو السلطان من قريش أولئك الذين كانت مكة تحت سلطانهم وتجارتها في أيديهم، كأبي سفيان [قبل إسلامه] وعمرو بن هشام الملقب بأبي جهل الذي نزل بمناسبة موقفه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7] وعبد العزى بن عبد المطلب الذي نزل في شأنه قوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: 2-3]، والوليد بن المغيرة الذي نزل في حقِّه قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: 11-17]. وكم في المسلمين اليوم من أمثال أبي سفيان [قبل إسلامه] وأبي جهل وأبي لهب والوليد!؟ وما تغني عن هؤلاء صلاتُهم وصيامُهم ما داموا يقفون دون دعوة الخير ومصلحة الأمَّة؟ وهل أغنى عن هؤلاء المشركين سكناهم في مكة وعمارتهم كما يزعمون للمسجد الحرام وسقايتهم للحجيج؟

﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: 17-18].

وماذا تغني الحجار عن أكباد تتفتَّت وحُرمات تُنتهك، ودماء تُراق ومساجد تُهدَم وأطفال تُذبَح ثمَّ لا يتحرَّك القلب ولا يتغيَّر من لذة الحياة الرتيبة شيء، ولا يخرج من المال المحبوس في الخزائن أو المسكوب على الموائد الخبيثة ما يُصَدُّ به العدوان، أو يُدفع به عن الحَرَمان أو يشتري به السلاح.

والإخلاد إلى الترف في هذه الحياة يُنسي صاحبه المسؤوليَّة والحساب، ويضع بينه وبين لقاء الله حجابًا كثيفًا فلا يفكر إلا في هذه الحياة فيطمئن إلى ما فيها فلا يشعر بقلق المصير ولا تعذيب الضمير. وإلى هذا أشار القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: 33].

ولهذا كلِّه أنذر الله تعالى المترفين بالعذاب إذ قال جلَّ ذكره: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ [المؤمنون: 64-65]. وقال واصفًا عذاب الآخرة المقابِل لِترَفِ الدنيا: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 41-46].

ووصف المسرفين بالفساد فقال سبحانه: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: 151-152].

ذلك شأن المال والملذَّات إذا أصبحت غاية في ذاتها وخرجت عن أصلها ووظيفتها.

وكذلك الحكم فهو وسيلة لنشر الأمن وإقامة العدل، فإذا أصبح شهوة يحرص عليها وغاية يحارب من أجلها استحلَّ صاحبها المحارم وارتكب المظالم، ولذلك كان الملك الوراثي الذي أحدثه بنو أميَّة في تاريخ الإسلام من أعظم المصائب التي أصيبت بها الأمَّة العربية والحكم الإسلامي إذ انقلبت الخلافة الشوريَّة إلى ملك موروث، ولهذا فغير عجيب أن يذكر القرآن الكريم الملوك في معرض الظلم والفساد. قال تعالى على لسان بلقيس: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 34] وأعقب ذلك بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما قالت بلقيس: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا.... ﴾ وقال الرب عز وجل: وكذلك يفعلون، وفيه كما أشار ابن عباس تصديق لقولها، والآية كما يلاحظ قد وضعت الكلام في صيغة حكم عام، وورد في سورة الكهف: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79]، وجاء في وصف فرعون: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 4].

أمَّا ما ورد في معرض المدح أو القبول من ذكر الملوك: فقد جاء في سورة البقرة وفيه إشارة لاختيار الملك لصفات شخصيَّة فيه تؤهِّله لذلك: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247].

وقد جاءت هذه الآية للردِّ على أولئك الذين أرادوا أن يكون من مُؤهِّلات الملك الغنى في المال أو الوراثة في الملك، ولتوجيههم إلى أنَّ الصفات التي ترشح الرجل للملك هي صفات شخصية.

هذه خواطر من وحي رمضان في آفاق حياتنا الاجتماعيَّة ومبادئ كبرى من مبادئ قرآننا وحضارتنا، فلنقف دون سرَف المسرفين وترف القصور، لنستطيع أن نبعث أمَّة ونُحيي شعبًا ونبني دولة ونرضي ربًّا ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المصدر: جريدة المنار الدمشقية، في أواخر أيام الوحدة في أواخر الخمسينيَّات من القرن العشرين.