تفسير سورة العصر



بسم الله الرحمن الرحيم


[وَالعَصْرِ(1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3) ]. {العصر}..


مكان نزولها وعدد آياتها:
قال ابن عباس رضي الله عنه: هي مكية، وقال مجاهد: هي مدنية. والجمهور: على الأول، وآياتها ثلاث بالاتفاق.
بيان أوجه اتصالها بما قبلها:
ذكر سبحانه وتعالى فيما قبلها:التكاثر. صفة الغافلين اللاهين بالتكاثر والتفاخر، وذكر في هذه صفة المؤمنين العاملين،والشيء إذا قوبل بضده تميز أكبر تميز، فلا جرم ذكرت هذه بعد تلك.
بيان المعنى:
[وَالعَصْرِ]: قسم ومقسم به. [وَالعَصْرِ] يطلق ويراد به الدهر الذي تقع فيه الحوادث، ويطلق ويراد به جزء معيَّن منه، وهو وقت العشي الذي هو وقت صلاة العصر، ويطلق ويراد به صلاة العصر.
بيان المعنى المراد:
واختلف العلماء في المراد بالعصر الذي أقسم الله به في السورة الكريمة: فقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن المراد به الدهر، أي: الزمان كله.
ووجه الحكمة في القسم به: اشتماله على الأعاجيب الدالَّة على قدرته سبحانه وتعالى: ففيه السرَّاء والضرَّاء، والنعماء والبأساء، والصحَّة والسَّقَم، والفرح والحزن، والغنى والفقر، والعز والذل، والهناءة والشقاوة، والحرب والسلم، والصداقة والعداوة، وفيه غير ذلك مما لو تنبَّه له العاقل لعلم أن للكون رباً هو خالقه ومُدبِّره، ومنظِّمه ومصيِّره، وإذا علم ذلك توجَّه إليه بالعبادة والضراعة، والخضوع والطاعة، والإذعان والتسليم.
وقال قوم: إنَّ المراد به وقت العشي.


ووجه الحكمة في القسم به: أنَّ فيه صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى الفاضلة التي خصَّها الله بالذكر في قوله تعالى:[حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ] {البقرة:238}.
ولا ريب أن زمناً فيه صلاة أمر الله بالمحافظة عليها بوجه خاص يكون بمكان من العظمة، يستأهل به أن يقسم به، وأن يخصه الله بمزيد من الإجلال والإعظام.
وقال مقاتل: إن المراد به صلاة هذا الوقت.
ووجه الحكمة في القسم بها: أن الملائكة تحضرها كما تحضر صلاة الفجر، فتشهد لمن حافظ عليها وأقامها، وتشهد على من تركها و أضاعها.
ويا فوز من تشهد له الملائكة وتبارك عمله، ويا خسر من تشهد عليه وتنعى عمله وتذكر وزره.
وذهبت طائفة إلى أن المراد به: وقت العشي، ولكنه ليس العشي في يوم من الأيام، بل العشي في الدهر كله جملة.


وقد استأنسوا لهذا القول بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم من الأمم مثل رجل استأجر أجيراً فقال: من يعمل إلى الظهر بقيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل إلى العصر بقيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل من العصر إلى المغرب بقيراطين؟ فعملتم أنتم).


وعلى هذا يكون القسم بزمان الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أميل إليه وأرتضيه، وإنما أقسم الله به، كما أقسم بمكانه في قوله تعالى:[لَا أُقْسِمُ بِهَذَا البَلَدِ] {البلد:1}. تعظيماً لزمان الرسول صلى الله عليه وسلم ومكانه، وفي ذلك تعظيم له صلى الله عليه وسلم وتشريف وإظهار لمكانته وجليل قدره.


وأياً ما كان المراد من العصر فهو شيء مُحْدث مخلوق أقسم الله به، كما أقسم بالشمس والقمر ومواقع النجوم، وبالليل والنهار والضحى، وغير ذلك.
وهذه الأقسام جارية على العادة من توكيد الأخبار بالأقسام.
والله سبحانه وتعالى غنيّ عن ذلك، ولكن المخاطَبين الجاحدين في حاجة إليها.


ومما ينبغي علمه أنه لا يلزم أن يكون القسم بشيء يخشى المقسم إذا حلف به وحنث أن يقع تحت المؤاخذة، بل قد يكون القسم بشيء من هذا ـ وهو لا يصح في جانب الله ـ وقد يكون بشيء له قدر وقيمة في ذاته وعند المقسِم، ويكون القسم به للدلالة على قدره وخطره ومكانته، والفوائد المرتبطة به، وأقسام الله تعالى من هذا الباب.
وقد يدل القسم على تأكيد وجود المقسَم به للرد على من ينكره، كالقسم بيوم القيامة، وقد يدل على غير ذلك بحسب المواقع وما يتبع المقسم به من الصفات.


[إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ] {العصر:2}.
المراد بالإنسان: الجنس الذي يشمل المؤمن والكافر، بدليل أنه استثنى منه الذين آمنوا وعملوا الصالحات، والاستثناء دليل على أن المراد منه العموم.

[خُسْرٍ]: كالخسران: هو ذهاب رأس المال أو انتقاصه، وقد ينسب إلى الإنسان فيقال: خسر فلان، وقد ينسب إلى فعله فيقال: خسر تجارته.
وأكثر ما يقال الخسران في المقتنيات الخارجة عن الشخص كالمال، وقد يقال على الأقوال النفسية والمعنوية كالإيمان والثواب.
وكل خسر ذُكر في القرآن فقد أشير به إلى تعاطي ما يزيد في الوزر، ويستوجب الإثم، وينقص الأجر.
والمراد بالخسر هنا: ما ينغمس فيه الإنسان من الأسباب المردية، والمناكر الموبقة والخسائس المهلكة.
وتنكير كلمة خسر للدلالة على تعظيم خسرانه، وأنه بلغ مبلغاً لا تدرك حقيقته.
والتعبير بقوله:
[لَفِي خُسْرٍ] يدل على أن الإنسان كالمغمور في الخسران، وأن هذا الخسران قد أحاط به من كل جانب، وذلك أن كل ساعة تمر بالإنسان، فإن كانت مصروفة إلى المعصية فلا شك في الخسر، وإن كانت مشغولة بالمباحات فالخسران أيضاً حاصل، وإن كانت مشغولة بالطاعات فهي غير متناهية، وترك الأعلى والاقتصار على الأدنى فيه نوع خسران.


والمعنى:
وحقِّ العصر إن كل فرد من أفراد الإنسان- ممَّن يصح أن يتوجه إليه الخطاب والتكليف، ويصح أن يقابل بالمدح والذم، ويُجازى بالثواب والعقاب ـ يحيط به الخسران، بما رُكِّب فيه من غرائز الشهوة، وبما طُبع عليه من حبِّ الاستعلاء والنفوذ، تلك الغرائز والطباع التي تزين له دائماً الدنايا، وتدعوه إلى ارتكاب المناكر، والولوج في سبيل الغي، وطرق البغي، ومشارع الهوى.
ولا ينجيه من هذا إلا الإيمان الذي يدعو إلى العمل الصالح والتواصي بالحق والصبر.

[إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] {العصر:3}.
في هذه الآية استثناء للمؤمنين الصالحين ممَّن سبق الحكم عليه بالخسر، وفيه تسلية للمؤمن بأن العمل الصالح يوصله إلى ما يرغب فيه من رضوان ربه، وعظيم فضله، وبالغ كرمه سبحانه.
هذا، ولم يذكر في الآية الكريمة ما يجب الإيمان به، وكذا لم تذكر فيها الأعمال الصالحة المنجية من الخسار، الواقية من البوار، الحافظة من النَّكال.


ومما لا شبهة فيه أنه كان معروفاً منذ بدء الرسالة ما يجب الإيمان به، و التصديق بفرضه، فمن فجر الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الإيمان بالله والتصديق بوحدانيته، وإلى الإيمان باليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين.
والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب السائل عن الإيمان فقال:
( أن تؤمن بالله وملائكته و كتبه ورسله واليوم الآخر).
وقد اشتمل القرآن الكريم في كثير من سوره على بيان الأعمال الصالحة وهي محصورة في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.

بيان حقيقة الإيمان:
والإيمان هو التصديق الذي لا مجال للريب فيه، ومعناه: عقد القلب الذي يلازمه طمأنينة النفس وزوال الشك.
والإيمان الحق لا تنطوي حقيقته على الأعمال، بل هي زائدة عليه، لكن مناط النجاة مرتبط بهما، فلا يجوز لأحد أن يتكل على غير الإيمان والعمل الصالح،؛ لأن الله سبحانه وتعالى يخبر بأن كل إنسان واقع في الخسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
نعم الآية لا تدل على تخليد العصاة في النار؛ لأن الخسر كما يكون بالتخليد يكون بدخول النار لاستيفاء الجزاء، ثم الخروج منها بعد الاستيفاء.
وقد شرط الله للنجاة بعد الإيمان والعمل الصالح: التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وبيَّن أن كمال الإنسان في نفسه لا يكفي حتى يسعى إلى كمال غيره فيوصي بالحق والصبر.

والحق: هو: الأمر الثابت، وهو كل ما حكم الشرع بصحته ولا يسوغ إنكاره، وهو الخير كله، من توحيد الله تعالى وطاعته، واتباع كتبه ورسله، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة.
والصبر: هو: حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع.
وإن للصبر أسماء تختلف باختلاف مواقعه، وتتنوع بتنوع مواضعه.
فحبس النفس عند المصيبة يسمَّى صبراً، وضده الجزع.
وحبس النفس عند الإثارة يسمَّى رويَّة، وضده العَجَلة.
وحبس النفس في جهاد الأعداء يسمَّى بسالة، وضده الجبن والخور.
وحبس النفس عن المعاصي يُسمَّى: إيماناً، وضده: الفسوق.
وفي الصبر على المعاصي مشقَّة، وفي الصبر على طاعة الله مشقة، والتكاليف كلها مشقة.
وإن الصبر من الأخلاق الأصيلة الكريمة، وهو أساس جميع الفضائل: ولذلك قيل: إنه نصف الإيمان.
وقد ذكره الله سبعين مرة في القرآن الكريم، ووعد عليه بالجزاء الأوفى، والمثوبة العظمى، فقال:[
إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ] {الزُّمر:10}. وقال:[ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] {النحل:96}.
نسأل الله سبحانه أن يهبنا الصبر على طاعته، والكفَّ عن معصيته، وأن يروِّض نفوسنا على خدمة كتابه، ونشر دينه، وإعلاء كلمته، وأن يوفقنا لنصرة الدين، وخدمة المسلمين.


وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.