تعقيبات علمية حول البحث الذي نشره الدكتور صلاح الدين الإدلبي عن عمر السيدة عائشة رضي الله عنها عند زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم

ما كنت أتوقع من عالم جليل متخصص في علم الحديث الشريف يكون عونا للعلمانيين والتنويريين الظلاميين الذين يحاولون بشتى الوسائل الطعن بالأحاديث الصحيحة ، والتركيز على التقليل من قيمة الصحيحين ، وخاصة صحيح البخاري والتشكيك بما رود فيه بحجج واهية 

أمام هذه الهجمة الشرسة من أولئك المفسدين على عمر السيدة عائشة رضي الله عنها حين زواجها بالنبي صلى الله عليه وسلم الوارد في أصح كتابين من كتب الحديث الشريف وغيرهما من كتب الحديث المعتمدة : كنا نتوقع من الدكتور صلاح الدين الإدلبي حفظه الله وهو العالم الموثوق به أن يكون أول من يتصدى لذلك بالأدلة الدامغة والحجج الساطعة وهو القادر على ذلك بما وهبه الله من التحقيق والتدقيق .

ولكن وللأسف وجدنا غير ذلك منه يعتمد على استنتاجات ينفرد بها ليطعن بأحاديث صحيحة ويصر على اتهام السيدة عائشة رضي الله عنها بالوهم والخطأ والنسيان بقرائن واهية .

بل قد فات الدكتور صلاح حفظه الله أن الهدف الأساسي من محاولات هؤلاء المحرفين المشككين في عمر السيدة عائشة رضي الله عنها عند زوجها وهو تسع سنوات : هو الطعن في حكم شرعي صرح به القرآن الكريم وهو الزواج من الصغيرة الذي يشير له قوله تعالى :( وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ) وأجمع عليه فقهاء الأمة وفق ضوابط شرعية .

ولي تعقيبات على البحث الذي نشره الدكتور صلاح حفظه الله:

#الأول : 

يقول الدكتور صلاح حفظه الله :

( القول الثاني: هو أنه عقد عليها وهي ابنة أربع عشرة وتزوجها وهي ابنة سبع عشرة وقد قاربت ثماني عشرة، مما يعني أنها ولدت قبل البعثة بأربع سنين. وكلام ابن إسحاق والطبري يشير إلى هذا

قال الطبري في تاريخه: " قـُتيلة ابنة عبد العُزَّى فولدت له عبد الله وأسماء، وتزوج أيضا في الجاهلية أم رومان بنت عامر فولدت له عبد الرحمن وعائشة، فكل هؤلاءالأربعة من أولاده وُلدوا من زوجتيه اللتين سميناهمافي الجاهلية".

**الجواب :

1- ليس من المنهجية العلمية أن يصدر الدكتور صلاح لرأيه الخاص أنه ( القول الثاني ) لأنه بذلك يوهم القراء أن ذلك قول معتبر صادر عن كبار العلماء وأنه مسبوق إليه ، وأنها مسألة خلافية بين العلماء فيها قولان ، مع أننا لم نسمع عن أحد من العلماء السابقين من قال بهذا القول الذي استنتجه الدكتور صلاح .

2- بالرجوع لتاريخ الطبري فإننا نجد هذه الرواية التي نقلها الدكتور صلاح منه رواها العلامة الطبري عن علي بن محمد المدائني "عمن حدثه" ، وهذا الذي حدثه مجهول غير معروف ، وهذا نصالعلامة ابن جرير الطبري في تاريخه ( حدث علي بْن مُحَمَّد، عمن حدثه ومن ذكرت من شيوخه، قال:

تزوج أبو بكر في الجاهلية قتيلة- ووافقه على ذلك الواقدي والكلبي- قالوا:

وهي قتيلة ابنة عبد العزى بْن عبد بْن أسعد بْن جابر بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لؤي، فولدت له عبد اللَّه وأسماء وتزوج أيضا في الجاهلية أم رومان بنت عامر بْن عميرة بْن ذهل بْن دهمان بْن الحارث بْن غنم بْن مالك ابن كنانة- وقال بعضهم: هي أم رومان بنت عامر بْن عويمر بْن عبد شمس بْن عتاب بْن أذينة بْن سبيع بْن دهمان بْن الحارث بْن غنم بْن مالك بْن كنانة- فولدت له عبد الرحمن وعائشة.

فكل هؤلاء الأربعة من أولاده، ولدوا من زوجتيه اللتين سميناهما في الجاهلية ).

3- يسنتج الدكتور صلاح من تلقاء من نفسه إشارة من كلام عام يورده العلامة الطبري في تاريخه ، وهي مجرد إشارة مستنتجة ، ويترك الكلام الصريح الذي يصرح به العلامة الطبري في تاريخه عندما يورد ذلك عن السيدة عائشة رضي الله عنها ، ويخالف هذا التصريح منها مخالفة كاملة لما استنتجه من تلقاء نفسه :

قال العلامة الطبري في تاريخه :

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ السُّكَّرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ- يَعْنِي ابْنَ أَبِي خَالِدٍ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الضَّحَّاكِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ وَآخَرُ مَعَهُ أَتَيَا عَائِشَةَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا فُلانُ، أَسَمِعْتَ حَدِيثَ حَفْصَةَ؟ قَالَ لَهَا: نَعَمْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ:

خِلالٌ فِيَّ تِسْعٌ لَمْ تَكُنْ فِي أَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا آتَى اللَّهُ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، وَاللَّهِ مَا أَقُولُ هَذَا فَخْرًا عَلَى أَحَدٍ مِنْ صَوَاحِبِي، قَالَ لَهَا: وَمَا هن؟

قَالَتْ: نَزَلَ الْمَلَكُ بِصُورَتِي، وَتَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ص لِسَبْعِ سِنِينَ، وَأُهْدِيتُ إِلَيْهِ لِتِسْعِ سِنِينَ، وَتَزَوَّجَنِي بِكْرًا لَمْ يُشْرِكْهُ فِيَّ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ وَأَنَا وَهُوَ فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ، وَكُنْتُ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَنَزَلَ فِيَّ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَادَتِ الأُمَّةُ أَنْ تَهْلِكَ، وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنْ نِسَائِهِ غَيْرِي، وَقُبِضَ فِي بَيْتِي لَمْ يَلِهِ أَحَدٌ غَيْرُ الْمَلَكِ وَأَنَا ) أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني في (الكبير) (ج23) (رقم77) - وانظر (مجمع الزوائد) (9/ 241) - وأخرجه الحاكم أيضا (4/ 1) وأقره الذهبي .

#الثاني :

يقول الدكتور صلاح حفظه الله :

( وأما ما ثبت عن عائشة من أن رسول الله تزوجها وهي ابنة تسع سنين فلا بد أن يكون وهَما، وقد عاشت رضي الله عنها ـ على القول المرجَّح هنا ـ خمسة وسبعين عاما، فلعلها قد أصابها شيء من النسيان في هذا الأمر فروته على التوهم. 

ويبدو أن توهيم القول المروي عن عائشة رضي الله عنها لا مناص عنه، وذلك لاجتماع تلك القرائن التي تقدم ذكرها على خلافه ).

**الجواب :

1- يعتبر تصريح السيدة عائشة عن عمرها عند زواجها وهَمٌ صدر منها ، فهل يليق نسبة الوهم لها : وقد ذكر هذا عنها بعدة طرق عن كبار الثقات من الرواة، وفي عدة مناسبات ؟؟!!

وقد جاء هذا عن عائشة رضي الله عنها من طرق عدة ، وليس من طريق واحدة فقط :

أ- فالطريق المشهورة هي من رواية هشام بن عروة بن الزبير ، عن أبيه عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها ، وهي من أصح الروايات ، فعروة بن الزبير من أعرف الناس بعائشة ، لأنها خالته رحمه الله .

ب- وطريق أخرى من رواية الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة عند مسلم (1422) .

ج- وطريق أخرى من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : ( تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست ، وبنى بها وهي بنت تسع ، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة ) رواه مسلم (1422) .

د- وطريق أخرى عن محمد بن عمرو ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة رضي الله عنها. رواه أبو داود (4937) .

2- إذا كانت السيدة عائشة وهمت بقولها فكيف بفعلها عندما تلعب بلعب لا يلعب فيها الا صغار السنّ ، ولا يلعب بها الكبار اذا كان عمر السيدة عائشة حسب ما اعتمده الدكتور صلاح يزيد على العشرين ، بل كان عمرها بعد غزوة تبوك فاق السابعة والعشرين .

وهذه بعض الروايات في ذلك :

1- روى أبو داود (4932) عَنْها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : (قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ خَيْبَرَ وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ فَقَالَ :مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ؟ قَالَتْ : بَنَاتِي . وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ فَقَالَ :

مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ ؟ قَالَتْ : فَرَسٌ قَالَ : وَمَا هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ ؟ قَالَتْ : جَنَاحَانِ . قَالَ : فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ ؟! قَالَتْ : أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ ؟ قَالَتْ : فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ).

2- عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : (كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ [أي : يتخفين] مِنْهُ فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي) رواه البخاري (7130) ومسلم (2440) .

3- وكذلك عندما كانت تحكي عن حالها عندما أدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وكيف أنها كانت تلعب بأرجوحة عندما أتتها أمها أم رومان لتدخلها على النبي صلى الله عليه وسلم فهذا لا يمكن أن يتطرقه الوهم كذلك لأنه حكاية حال قاطع بصغره سنها ، وليس قولا صادرا عنها روى البخاري في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: «تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ، فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ شَعَرِي، فَوَفَى جُمَيْمَةً فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ، وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ، وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا، لاَ أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وَإِنِّي لَأُنْهِجُ حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي، ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي البَيْتِ، فَقُلْنَ عَلَى الخَيْرِ وَالبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضُحًى، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ» . 

#الثالث :

قال الدكتور صلاح حفظه الله :

( روى ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني والطبراني في المعجم الكبير والحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله عنها أن خولة بنت حكيم امرأةعثمان بن مظعون رضي الله عنهما قالت بمكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيْ رسولَ الله، ألا تتزوج؟!.قال: ومَن؟. قالت: إن شئتَ بكرا وإن شئتَ ثيبا. قال: فمَن البكر؟. قالت: بنت أحب خلق الله إليك، عائشةبنت أبي بكر. قال: ومن الثيب؟. قالت: سودة بنتزمعة. قال: فاذهبي فاذكريهما عليَّ. وكان هذا بعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها، كما بينته الروايات الأخرى. 

يدل السياق على أن خولة رضي الله عنها أرادت أن تخطِب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة السيدة خديجة لأنه أصبح بلا زوجة، وفي غاية البعد أن تخطب له في هذه الحال من لها من العمر ست سنوات!!. لكن إذا كانت بنت أربع عشرة سنة فهذا معقول).

**الجواب :

يستنتج الدكتور صلاح أنه من غاية البعد ان تخطب خولة للنبي صلى الله عليه وسلم فتاة لها من العمر ست سنوات ، وهذا استبعاد يستعبده على مزاجه ، ومجرد تحكم عقلي من تلقاء نفسه دون دليل .

ويختصر الرواية ولا يذكر خاتمتها التي صرحت بعمر السيدة عائشة عن ذلك .

بل يخالف اسنتاجه كذلك رواية رواها الإمام أحمد وغيره عن السيدة خولة بنت حكيم وفيه تصريح بأن السيدة عائشة كان عمرها ست سنوات .

روى الإمام أحمد في مسنده : حدثنا محمد بن عمرو قال ثنا أبو سلمة ويحيى قالا : لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون قالت يا رسول الله ألا تزوج قال من قالت إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا قال فمن البكر قالت ابنة أحب خلق الله عز و جل إليك عائشة بنت أبي بكر قال ومن الثيب قالت سودة ابنة زمعة قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول قال فاذهبي فاذكريهما علي فدخلت بيت أبي بكر فقالت يا أم رومان ماذا أدخل الله عز و جل عليكم من الخير والبركة قالت وما ذاك قالت أرسلني رسول الله صلى الله عليه و سلم أخطب عليه عائشة قالت انتظري أبا بكر حتى يأتي فجاء أبو بكر فقالت يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة قال وما ذاك قالت أرسلني رسول الله صلى الله عليه و سلم أخطب عليه عائشة قال وهل تصلح له إنما هي ابنة أخيه فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فذكرت له ذلك قال ارجعي إليه فقولي له أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام وابنتك تصلح لي فرجعت فذكرت ذلك له قال انتظري وخرج قالت أم رومان ان مطعم بن عدى قد كان ذكرها على ابنه فوالله ما وعد وعدا قط فأخلفه لأبي بكر فدخل أبو بكر على مطعم بن عدى وعنده امرأته أم الفتى فقالت يا بن أبي قحافة لعلك مصب صاحبنا مدخله في دينك الذي أنت عليه أن تزوج إليك قال أبو بكر للمطعم بن عدى أقول هذه تقول إنها تقول ذلك فخرج من عنده وقد أذهب الله عز و جل ما كان في نفسه من عدته التي وعده فرجع فقال لخولة أدعي لي رسول الله صلى الله عليه و سلم فدعته فزوجها إياه وعائشة يومئذ بنت ست سنين ).

#الرابع :

يقول الدكتور صلاح حفظه الله :

( هذا وقد ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى أن الحديث إذا خالف متنـُه ما هو أقوى ثبوتا منه من ثوابت التاريخ فإنه يُرد، لأن ذلك يدل على أنه قد تطرق إليه الخلل بسبب وقوع أحد رواته في الوهَم ) .

**الجواب :

لو أن ما يعتمد عليه الدكتور صلاح روايات ثابتة في تحديد تاريخ ولادة عائشة رضي الله عنها ومتفق عليها بين المؤرخين لكان بالإمكان أن نرد الروايات الصحيحة المنقولة عنها بسبب إمكان تطرق الوهم والنسيان إليها ، ولكن عندما نجد أن هذه الروايات التاريخية التي يستند إليها الدكتور صلاح مطعون فيها ، ونجد من التابعين والحفاظ والمحدثين يروون خلافها فهذا يجعلنا نتمسك برواية الصحيحين وغيرهما ونستبعد طروق الوهم والنسيان إليها ، ومن ذلك ما قاله الحافظ الذهبي رحمه الله : " وكانت – يعني أسماء - أسن من عائشة ببضع عشرة سنة" ( سير أعلام النبلاء 2/188) 

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :" ولدت عائشة رضي الله بعد المبعث بأربع سنين أو خمس " ( الإصابة : 8/16).

#الخامس :

قال الدكتور صلاح حفظه الله :

( عائشة أصغر من أختها أسماء رضي الله عنهما بعشر سنين، وقد وُلدت أسماء قبل الهجرة بسبع وعشرين سنة، أي قبل البعثة النبوية بأربع عشرة سنة، وهذا يعني أن عائشة ولدت قبل البعثة بأربع سنوات.

روى ابن عساكر في تاريخ دمشق بسنده عن ابن أبي الزناد أنه قال: كانت أسماء بنت أبي بكر أكبر من عائشة بعشر سنين).

**الجواب :

يعتمد الدكتور صلاح في الفرق العمري بين عائشة وأسماء رضي الله عنهما على رواية ابن أبي الزناد دون أن يتطرق للروايات الأخرى ، ودون أن يتطرق ما قيل فيه من الجرح والتعديل .

ولنتطرق الآن لرواية ابن أبي الزناد :

أما من حيث السند ، فقد ورد ذلك عن عبد الرحمن بن أبي الزناد أنه قال : ( كانت أسماء بنت أبي بكر أكبر من عائشة بعشر سنين ) .

وردت هذه الرواية من طريقين عن الأصمعي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد :

الطريق الأول : رواه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " (69/10) قال : أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد المالكي ، أنا أحمد بن عبد الواحد السلمي ، أنا جدي أبو بكر ، أنا أبو محمد بن زبر ، نا أحمد بن سعد بن إبراهيم الزهري ، نا محمد بن أبي صفوان ، نا الأصمعي ، عن ابن أبي الزناد قال : فذكره .

والطريق الثاني : رواه ابن عبد البر في " الاستيعاب في معرفة الأصحاب " (2/616) قال : أخبرنا أحمد بن قاسم ، حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا إبراهيم بن موسى بن جميل ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، حدثنا نصر بن علي ، حدثنا الأصمعي قال : حدثنا ابن أبي الزناد ، قال : قالت أسماء بنت أبي بكر ، وكانت أكبر من عائشة بعشر سنين أو نحوها .

لا يصح الاعتماد على رواية ابن الزناد وذلك لما يأتي :

1- انفراد عبد الرحمن بن أبي الزناد (100هـ - 174هـ) بتحديد الفرق بين عمري أسماء وعائشة رضي الله عنهما بعشر سنين ، وأما الأدلة السابقة فهي أدلة كثيرة جاءت عن غير واحد من التابعين ، ومعلوم أن الكثرة تقدم على القلة .

2- لأن الرواية التي نقلها عنه ابن عبد البر في الاستيعاب ليست على سبيل القطع بل فيها تردد حيث قال فيها : ( وكانت أكبر من عائشة بعشر سنين أو نحوها ) فقوله " أو نحوها " توافق الروايات المشهورة أن بينهما بضع عشرة سنة.

3- تضعيف أكثر أهل العلم لعبد الرحمن بن أبي الزناد نفسه : فقد جاء في ترجمته في " تهذيب التهذيب " (6/172) قول الإمام أحمد فيه : مضطرب الحديث . وقول ابن معين : ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث . 

وجاء في "سير أعلام النبلاء" :

وقال سليمان بن أيوب البصري سمعت ابن معين : إني لأعجب ممن يعد فليحاً وابن أبي الزناد في المحدثين .

قال ابن حبان : كان عبد الرحمن ممن ينفرد بالمقلوبات عن الأثبات وكان ذلك من سوء حفظه وكثرة خطئه فلا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات فهو صادق .

نعم قال الحافظ الذهبي : قلت هو حسن الحديث .

ويتبين من هذا أن ما ينفد به ابن أبي الزناد ويخالف به الثقات لا حجة فيه .