تأملات تربوية في وصايا لقمان الحكيم (1)

إنَّ من يتأمَّل في آيات الوصايا التي خلدها الله سبحانه في محكم تنزيله يجدها تزخر بالحكم والدروس والعبر، وتشتمل على درر ولآلئ تربوية نفيسة ونادرة تغني عن كثير من النظريات والدراسات التربوية الآتية من الشرق أو الغرب، والتي يحتفي بها، للأسف، كثير من الباحثين العرب، ولا يهتمون بأصول التربية الإيمانية التي بثها الله في كتابه الحكيم، وأجراها على ألسن رسله وأنبيائه، وأوليائه الصالحين. وهذا لا يعني غمط نصيب التجارب الإنسانية المبذولة في هذا المجال التربوي والنفسي، ولكن الأخطر أن نتخذها منهجا ومصدرا بديلا عن هدي القرآن الكريم ومنهجه.

هذه الوصايا التي سجلها الله في القرآن الكريم وخلدها، وصايا لقمان الحكيم لابنه، حيث تتضمن الوسائل الصحيحة المؤثرة المفيدة في تربية الأولاد، ولها ارتباط وثيق، كما هو معلوم لدى المهتمين بالدرس التربوي، بالجانب السلوكي والنفسي الإنساني العام. وسنحاول من خلال هذا المقال المتواضع عرض هذه المسائل التربوية الرائعة المحمدية.

مفهوم الوصية: الوصية نوعان: الأولى صادرة من الأحياء للأحياء. وغايتها تهذيبية وتأديبية وأخلاقية محضة. والثانية وصية الأموات للأحياء عند دنو الأجل المحتوم، وهي مرتبطة بحق أو دَيْن على ذمة الموصين يجب أداؤه وقضاؤه عنهم.

والوصية لغة تعني العهد. أوصى الرجل ووصاه عهد إليه. وتواصى القوم أي أوصى بعضهم بعضا. وفي الحديث الشريف: (استوصوا بالنساء خيرا...)، وجمعها جميعا أوصياء، ومن العرب من يرى أنها لا تثنى ولا تجمع. وتأتي الوصية أيضا بمعنى الفرض، ومنه قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِۚ}(۱).

وقد وردت لفظة الوصية بتصاريفها اللغوية ومشتقاتها المتنوعة في القرآن الكريم بمعنى العهد والفرض اثنتين وثلاثين مرة. وبلفظة وعظ ومشتقاتها وتصاريفها المختلفة خمسا وعشرين مرة. وبلفظة يابُنَيَّ، ويا بَنِيَّ بالمفرد والجمع سبع مرات: ثلاث مرات على لسان يعقوب لابنه يوسف ولأبنائه عليهم السلام، قال الله تعالى: (قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} (سورة يوسف:5)، وقال الله تعالى: {وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} (سورة يوسف:67)، وقال الله تعالى: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (سورة يوسف:87)(۲). ومرة على لسان إبراهيم ويعقوب عليهما السلام: {وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (سورة البقرة:132) (۳).

وثلاث مرات على لسان لقمان الحكيم، وستأتي في دراسة معاني الآيات الكريمة.

قال الله تعالى: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (سورة لقمان:13)، وقال الله تعالى: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} (سورة لقمان:16)، وقال الله تعالى: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (سورة لقمان:17).(4)

مفهوم الحكمة: جاء لفظ الحكمة في كتاب الله تعالى في أكثر من تسعة عشر موضعا، وجاء لفظ الحكمة في السنة النبوية في عدة مواضع.(5)

والحكمة لغة لها معان عديدة، قال ابن منظور: والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. ويقال للرجل إذا كان حکیما: قد أحكمته التجارب. والحكيم: المتقن للأمور (6). وقال الراغب: الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى: معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام، ومن الإنسان: معرفة الموجودات، وفعل الخيارات، وهذا الذي وصف به لقمان (۷). وقيل: الحكمة العدل والحلم والنبوة والقرآن والإنجيل. وأحكمه: أتقنه فاستحکم، ومنعه عن الفساد (۸).

والحكمة شرعًا، قيل: هي الفهم والعلم والتعبير (9). وقيل: إنها العقل والفطنة والعلم والسداد والإصابة في القول والفعل. وقيل أيضا: هي علم القرآن ناسخه ومنسوخه، محكمه ومتشابهه. وقيل: هي علم آياته وحكمه. وقيل: هي النبوة. وقيل أيضا: هي فهم حقائق القرآن. وقيل: السنة. وقيل: الورع في دين الله. وقيل: العلم والعمل به. وقيل: العلم النافع والعمل الصالح (۱۰).

ويقول السَّعدي في تفسيره للحكمة بأنَّها العلوم النافعة، والمعارف الصائبة، والعقول المسددة، والألباب الرزينة، وإصابة الصواب في الأقوال والأفعال (۱۱).

وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض، لأن الحكمة مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في قول أو فعل، فكل ما ذكر فهو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله حكمة، وسنة نبيه حكمة، وكل ما ذكر من التفصيل فهو حكمة. وأصل الحكمة ما يمتنع به من السفه. فقيل للعلم: حكمة، لأنه يمتنع به من السفه، وبه يعلم الامتناع من السفه الذي هو كل فعل قبيح. (۱۲)

وعندما نمعن النظر في التعريفات السابقة نجد أن هناك علاقة قوية بين المعنى اللغوي والشرعي، فكلاهما يجعل العلم النافع، والعمل الصالح الصواب المحكم المتقن أصلا من أصول الحكمة، وعلى هذا فيكون التعريف الجامع المانع للحكمة هو: الإصابة في القول والعمل والاعتقاد، ووضع كل شيء في موضعه بإحكام وإتقان (۱۳).

التعريف بلقمان: تختلف الروايات في حقيقة لقمان الذي اصطفاه الله ليعرض بلسانه قضية التوحيد وقضية الآخرة: فمنهم من يقول: إنه كان نبيًّا، ومن قائل: إنه كان عبدا صالحا من غير نبوة. والأغلب على هذا القول الثاني، ثم يقال: إنه كان عبدًا حبشيا، ويقال: إنه كان نوبيا، كما قيل: إنه كان قاضيا في بني إسرائيل. كما اختلف في نسبه: فمن قائل: إنه ابن باعوراء بن ناحور بن تارح، ومن قائل: إنه ابن عنقاء بن سرون، ثم يقال: إنه ابن أخت أيوب، ويقال: إنه ابن باعوراء بن أخت أيوب، أو ابن خالته.

وأيًّا كان لقمان أو نسبه؛ فقد قرر القرآن أنه رجل صالح آتاه الله الحكمة، وخصه بها عمَّن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه، ومنحه ووهبه فضلا كثيرا(14). ويعزز هذا الرأي ما روي عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله يقول: لم يكن لقمان نبيا، ولكن كان عبدا كثير التفكر، حسن اليقين، أحب الله تعالى فأحبه، فمن عليه بالحكمة، وخيره في أن يجعله خليفة يحكم بالحق، فقال: رب إن خيرتني قبلت العافية وتركت البلاء، وإن عزمت علي فسمعا وطاعة فإنك ستعصمني (15).

وكان لقمان يُوازر داود عليه السلام بحكمته، فقال له داود: طوبى لك يا لقمان! أعطيت الحكمة، وصرف عنك البلاء، وأعطي داود الخلافة، وابتلي بالبلاء والفتنة. وقال قتادة: خير الله تعالى لقمان بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة، فأتاه جبريل عليه السلام وهو نائم فذر عليه الحكمة، فأصبح وهو ينطق بها، فقيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة (أي حقا من حقوقه، وواجبا من واجباته) لرجوت فيها العون منه. ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة، فكانت الحكمة أحب إلي(16).

وحكم لقمان كثيرة مأثورة، هذا -أي ما ورد في سورة لقمان- منها. ومنها أيضا أنه ذات يوم قال له سيده: اذبح لي شاة وائتني بأطيبها مضغتين. فأتاه باللسان والقلب. فقال له: ما كان فيها شيء أطيب من هذين؟ فسكت، ثم أمره بذبح شاة أخرى، ثم قال له: ألق أخبثها مضغتين. فألقى اللسان والقلب. فقال له: أمرتك أن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها، فألقيت اللسان والقلب؟! فقال له: إنه ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا (۱۷).

وروي أنَّه دخل على داود عليه السلام وهو يسرد الدروع، وقد لين الله له الحديد كالطين، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت. فلما أتمها لبسها، وقال: نعم لبوس الحرب أنت! فقال: الصمت حكمة، وقليل فاعله. فقال له داود: بحق ما؛ سُميت حكيما (۱۸). وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني، إياك والتقنع فإنه مخوفة بالليل، مذلة بالنهار) (۱۹).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا استودع شيئا حفظه) (۲۰).

وعن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يا بني، إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام، يعني السلام، ثم اجلس في ناحيتهم، فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن أفاضوا في ذكر الله فأجل سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم (۲۱).

وورد على لسان لقمان أنه قال لابنه: إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك. (۲۲) وقال وهب بن منبه: إني قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب (۲۳).

مجلة الأدب الإسلامي: العدد 111

يتبع...

1- لسان العرب 15/394-395.

2- سورة يوسف، الآيتان 67، و87.

3- سورة البقرة، الآية۱۳۲.

4- سورة لقمان الآيات13، 16، 17.

5- في القرآن الكريم ينظر: سورة البقرة الآيات129، 151، 231، 251، 269، وآل عمران48، 81، 164، والنساء54، 113، والمائدة۱۱۰، والنحل125، والإسراء۳۹، ولقمان۱۲، والأحزاب34، والزخرف63، والقمر5، والجمعة۲. وفي السنة ينظر معظمها في كتب الحديث والسنن، وفي مقدمتها صحيح البخاري ومسلم.

6- لسان العرب: 12/140، و143.

7- المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني، ص126.

8- القاموس المحيط، الفيروزآبادي 4/40.

9- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/335.

10- المفردات في غريب القرآن 1/169.

11- تيسير الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن السعدي، ص160. وللتوسع في مفهوم الحكمة في القرآن الكريم والسنة النبوية تنظر المصادر الآتية: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2/131، 3/60-61، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/184، 1/323، وتفسير السعدي: 1/173، 1/290، 6/154، 1545، وفي ظلال القرآن لسيد قطب: 1م312، 1/139، و399، 2/997. ومدارج السالكين لابن القيم: 2/478-479، والتفسير القيم لابن القيم: ص227، وفتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني: 1/67-70، 6/531، 7/100، 10/522-529/540، وشرح النووي على صحيح مسلم: 2/7/33، 6/98، 15/12، وتحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي: 6/182، 7/58، 10/327.

12- مفهوم الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى في ضوء الكتاب والسنة - سعيد بن علي بن وهف القحطاني، ص۱۳.

13- نفس المرجع، ص۱۹.

14- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 16/467-468.

15- المحرر الوجيز، ابن عطية 4/347.

16- الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 16/469.

17- المصدر السابق 16/469-470.

18- معاني القرآن، النحاس 3/283.

19- تفسير ابن كثير 6/340.

20- المصدر السابق 6/340.

21- المصدر السابق 6/340.

22- المصدر السابق، ص340.

23- الكشاف، الزمخشري، ۲۳۹/۳.