بين الحديث والفقه

 

 

 

قالوا: أعجبنا مقالك "بين الحديث والفلسفة" مستفيدين منه، ومميزين به بين طبيعة الحديث وطبيعة الفلسفة، وبين مقاييسهما وموازينهما التي تخص كل واحد منهما، ومتنكبين تخليطًا بينهما أو تلبيسًا، فاكشف لنا عن الفرق بين الحديث والفقه كشفا يزيل التعقيد والتعمية.

قلت: أعيدوا قراءة ذلك المقال تجدوا فيه بيانا شافيا لما سألتموني عنه.

قالوا: الحديث والفقه أجلُّ موضوعاتنا وأخطرها شأنا، وما أشدنا احتياجا إلى أن نسبر غورهما ونكتنههما اكتناها، وأبينا أن نسيء فهم كلامك فننسب إليك ما لم تقله.

قلت: أما إذ أبيتم فاسمعوا:

الحديث خبر وتاريخ، والفقه قانون وفلسفة، الحديث في الاصطلاح: إخبار بقول النبي صلى الله عليه وسلم أو فعله أو تقريره أو صفته أو شأن من شؤونه، وقد يطلق على آثار الصحابة والتابعين، والفقه يراد به في الاصطلاح: علم بالأحكام الشرعية العملية المستفادة من أدلتها التفصيلية من كتاب الله وسنة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، والعمل المتوارث، والإجماع، والقواعد الكلية، والقياس، وللحديث منهجه في التوثيق، وللفقه منهج يشبه الفلسفة في التقرير والإثبات، فإذا أردتم مثلا معرفة تفاصيل غزوة بدر وصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وحجه احتجتم لإثباتها إلى سلوك منهج المؤرخين والأخباريين، وذلك ما فعله المحدثون، بل إنهم فاقوا عامة المؤرخين والأخباريين وبذُّوهم في التوقّي والحذر والعناية بالحفظ والإتقان، وذلك مبسوط في رسالة الإمام الشافعي ومقدمة صحيح مسلم وغيرهما من كتب أصول الحديث ومصطلحاته، وإذا أردتم أن تعرفوا أركان الصلاة وسننها ومستحباتها، احتجتم لتقريرها إلى الاحتجاج بالقرآن الكريم: دلالاته النصيَّة ودلالاته العموميَّة وإشاراته واقتضاءاته، وبالسنن المتوارثة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأتباعهم، وبإجماع الفقهاء، وكليات وقواعد اعتمدها العلماء الصالحون المجتهدون، وقياس بالتعليل أو التمثيل.

قالوا: هل نحتاج في الفقه إلى الحديث؟

قلت: نعم، تحتاجون إليه إذا نسبتم قولا أو فعلا إلى الماضين، لأن ذلك خبر وتاريخ، ومنهج المحدثين أفضل المناهج في إثبات خبر أو تاريخ، وكذلك تحتاجون في الفقه إلى معرفة تأويل القرآن، واللغة، والطب والاقتصاد، فلا بدَّ للفقيه من الرجوع إلى المفسرين إذا أشكل عليه تأويل آية، وإلى المحدثين إذا أراد التوثق من خبر، وإلى اللغويين إذا خفي عليه شيء من كلام العرب، وإلى الأطباء إذا عرضت له قضية تتصل بطب الأبدان، وإلى الاقتصاديين في الشؤون المالية.

قالوا: هل تصح معارضة مسألة فقهية بحديث؟ 

قلت: يحتاج الأمر إلى تفصيل، فإن كان الفقيه بنى المسألة على أدلة من كتاب الله تعالى والسنة المتوارثة والكليات والقواعد الفقهية، فلا يصح معارضته بحديث وخبر، لأن الأحاديث والأخبار أمور جزئيَّة يجري فيها الخطأ والوهم. 

قالوا: وهل تصح معارضته بخبر الثقات؟

قلت: لا، لأن الثقة قد يخطئ ويهم، وتجري في الأخبار الصحيحة الاحتمالات والنسخ، فلا تبلغ درجة المعارضة.

قالوا: ما هو الجزء الآخر من هذا التفصيل؟ 

قلت: إن كان الفقيه بنى المسألة على حديث، وليس له دليل غيره لا من قرآن ولا سنة ولا عمل ولا كليَّات، فحينئذ تصح معارضته بحديث أقوى منه، ويجب على الفقيه أن يعتمد على قواعد المحدثين في تصحيح الخبر وتضعيفه.

قالوا: فما للفقهاء المتأخرين ملحّين على شرح أصول الحديث على مذاهبهم؟ 

قلت: أخطأوا في ذلك، وقد بينت وجه خطأهم في مقالي "أصول الحديث على المذهب الحنفي".

قالوا: كيف ندافع عن المذهب الحنفي إذا نقضه المحدثون بالأحاديث؟

قلت: المذهب الحنفي في غنى عن أن ندافع عنه، وإنما نحتاج إلى أن نتقصيه وعيا وفهما وحفظا، ثم نقدِّمه للناس ونشرحه لهم من دون تغيير أو تعديل أو اعتذار.

قالوا: وهل يسوغ للمحدثين أن يتكلموا في الفقه؟ 

قلت: لا، إلا إذا بلغوا في الفقه درجة الفقهاء، وقلَّ من جمع بين الحديث والفقه كالثوري ومالك والبخاري.

قالوا: فما تقول في محدثين عارضوا الفقهاء؟ 

قلت: أخطأوا في ذلك، وليتقيد الفقهاء والمحدِّثون والمفسِّرون واللغويون والنحاة والأطباء والاقتصاديون وسائر أهل الصناعات بحدودهم غير متخطِّين إيَّاها ولا متجاوزين عنها.

قالوا: وددنا أن توفينا فضل الفقهاء في الفقه على غيرهم بيانا وإيضاحًا.

قلت: استوعبوا ما قدمتم لكم، واصبروا، وانتظروا للمقال التالي.

تنظر هنا مقالة : بين الحديث والفلسفة

تنظر هنا مقالة: أصول الحديث على المذهب الحنفي