بناء الجيلِ المؤمنِ المُحبّ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (2)

وفي أهمّيّة المحبّة، ومنزلتها السامية بين مقامات الدين يقول الإمام الغزاليّ رحمه الله: ".. إنّ المحبّةَ للهِ هيَ الغايةُ القُصوى مِن المقاماتِ، والذروةُ العُليا مِن الدرجاتِ، فما بعدَ إدراكِ المحبّةِ مَقامٌ إلاّ وهو ثمرةٌ مِن ثمارِها، وتابعٌ مِن توابعِها؛ كالشوقِ والأنسِ والرضا وأخواتها، ولا قَبلَ المحبّةِ مَقامٌ إلاّ وهو مُقدّمةٌ مِن مُقدّماتِها؛ كالتوبةِ والصبرِ والزهدِ وغيرِها.. وسائرُ المقامات إن عَزّ وجودُها، فلم تخلُ القلوبُ عن الإيمانِ بإمكانِها، وأمّا محبّةُ اللهِ تعالى فقد عزّ الإيمان بها حتّى أنكرَ بعضُ العلماءِ إمكانَها، وقالَ: لا معنى لها إلاّ المواظبةُ على طاعةِ اللهِ تعالى، وأمّا حقيقةُ المحبّة فمُحالٌ إلاّ معَ الجنسِ والمثالِ.. ولمّا أنكرُوا المحبّةَ أنكروا الأنسَ والشوقَ، ولذّةَ المناجاةِ، وسائرِ لوازمِ الحبّ وتَوابعِه، ولابدّ مِن كشفِ الغِطاءِ عَن هذا الأمرِ.. " إحياء علوم الدين 4/294/.

وقد أرجع الإمام الغزاليّ أسباب الحبّ إلى خمسة أسباب:

1 ـ حبّ الإنسان وجود نفسه، وكماله وبقاءه.

2 ـ وحبّه من أحسن إليه، فيما يرجع إلى دوام وجوده، ويعين على بقائه، ودفع المهلكات عنه.

3 ـ وحبّه من كان محسناً في نفسه إلى الناس، وإن لم يكن محسناً إليه.

4 ـ وحبّه لكلّ ما هو جميل في ذاته، سواء حبّه أكان من الصور الظاهرة أو الباطنة.

5 ـ وحبّه لمن بينه وبينه مناسبة خفيّة في الباطن.

فلو اجتمعت هذه الأسباب في شخص واحد تضاعف الحبّ لا محالة، كما لو كان للإنسان ولد جميل الصورة، حسن الخلق، كامل العلم، حسن التدبير، محسن إلى الخلق، ومحسن إلى الوالد، كان محبوباً لا محالة غاية الحبّ، وتكون قوّة الحبّ بعد اجتماع هذه الخصال بحسب قوّة هذه الخلال في نفسها، فإن كانت هذه الصفات في أقصى درجات الكمال كان الحبّ لا محالة في أعلى الدرجات.. وهذه الأسباب كلّها لا يتصوّر كمالها واجتماعها إلاّ في حقّ الله تعالى، فلا يستحقّ المحبّة بالحقيقة إلاّ الله سبحانه وتعالى " إحياء علوم الدين 4/300/.

ويُعدّدُ الإمامُ ابنُ القيّمِ رحمَه اللهُ أسباباً كثيرةً لتَنميةِ محبّةِ اللهِ، ومحبّةِ رسولهِ صلى الله عليه وسلم في قَلبِ المؤمنِ وزيادتِها، وأهمُّها أحدَ عشرَ سَبباً: [ذكرها الإمام ابن القيّم رحمه الله في بعض كتبه، نذكرها هنا بتصرّف وبيان]

ـ أحدها: تلاوة القرآن مع التدبر لمعانيه، والتفهم لما أريد به من سلوك وعمل.

ـ ثانيها: التقرب إلى الله بالنوافل من الطاعات والقربات بعد أداء الفرائض، واجتناب المحرّمات، فإنها توصل المؤمن إلى درجة المحبوبية بعدما تقدّم من برهان المحبة، وترفع العبد في مقامات القرب والحبّ، وفي الحديث القدسيّ المشهور عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ) رواه البخاري في كتاب الرقاق برقم /6021/

وقد تضافرت عشرات الأدلة والنصوص من الكتاب والسنّة، التي تبيّن أثر العمل الصالح في زيادة الحبّ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأثر الحبّ في زيادة القرب، وأثر القرب في زيادة الحبّ وتأجّجه، فالعلاقة بين الحبّ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبين العمل الصالح علاقة تأثير متبادل، لا ينفكّ أحدهما عن التأثير في الآخر وزيادته.

وإنّ من شأن المؤمن أن يضرب من كلّ غنيمة من العمل الصالح بسهم، وأن يكون له في كلّ ميدان من الخير نصيب، فلا يقتصر على نوافل الصلاة، أو الصوم، أو الصدقة، أو الحجّ، أو الذكر لله تعالى، وإنما يجتهد أن ينافس المجتهدين في كلّ باب، وأن يقدّم محابّ الله تعالى، وما يكون أنفع لعباده على رغائبه ومحابّه.

ـ الثالث: دوام ذكر الله تعالى على كل حال: باللسان والقلب، والعمل والحال. فنصيب المؤمن من محبة الله تعالى على قدر نصيبه من هذا الذكر، وكذلك كثرة الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أحبّ شيئاً أكثر من ذكره.

ـ الرابع: إيثار محابّ الله تعالى على محابك عند غلبات الهوى، والتسنّم إلى محابّه، وإن صعُب المرتقى.

ـ الخامس: مطالعة القلب لأسماء الله تعالى وصفاته، ومشاهدتها ومعرفتها، وتقلّبه في رياض هذه المعرفة وحقائقها، فمن عرف الله تعالى بأسمائه وصفاته، وأفعاله وقربه من عباده: أحبّه لا محالة.

ـ السادس: مشاهدة برّ الله تعالى وإحسانه، وسابغ آلائه ونعمائه، وعظيم مننه الباطنة والظاهرة، فإنّها داعية إلى محبّته، وكثرة ذكره وشكره.

ـ السابع: وهو من أعظمها وأعجبها، انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى، والذلّة لعظمته وربوبيّته، وعلى قدر تحقّق العبد بالعبوديّة لله تعالى يتحقّق بالذلّة والانكسار بين يدي الله تعالى، ويستشعر الافتقار إليه سبحانه، وليس في التعبير عن هذا المعنى غير الأسماء والعبارات، ومن ذاق عرف واغترف.

ـ الثامن: الخلوة بالله تعالى وقت النزول الإلهي، لمناجاته وتلاوة كلامه، ووقوف القلب ببابه، والتأدب بأدب العبودية بين يديه، ثم ختْم ذلك بالاستغفار والتوبة.

ـ التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطايب كلامهم، وثمرات أفكارهم وأحوالهم، كما تَنتقي أطايب الثمر، ولا تتكلم بين أيديهم إلاّ إذا ترجّحت مصلحة الكلام، وعلمتَ أنّ فيه مزيداً لحالك، ومنفعة لغيرك، وكذلك دراسة سير السلف الصالح، وفهم أقوالهم وأخبارهم، وحسن الظنّ بهم، وتذوّق مشاعرهم، وما فاضت به أرواحهم من معان وحقائق وآداب، ممّا لا يخرج عن مشكاة الكتاب والسنّة وهديهما، وقد حفظت لنا بحمد الله تعالى كتب السير والتراجم من ذلك الشيء الكثير.

ـ العاشر: تخفيف العلائق، وقطع العوائق، ومباعدة كلّ سبب يحول بين القلب وبين الله عزّ وجلّ، فما أكثر ما شغلت علائق الدنيا الإنسان، ووقفت في وجهه العوائق، فصدّته عمّا فيه خيره، وحجبته عن صلاح أمره، ففاتته النفائس مع فوات الأنفاس.!

والعاقل الموفّق من حزم أمره، وأحكم سيره، ولم يغترّ بزخرف فانٍ، يشغله عن سعادة الأبد، ويصدّه عن رضوان لا يفنى.

ـ الحادي عشر: الإكثار من مطالعة سيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وشمائله، والتفكّر في فضائله ومكارمه، وما خصّه الله به من خصائص وفضائل، ورحمة الله تعالى للإنسانيّة، بل للعالمين به، وما لقيه صلى الله عليه وسلم في سبيل دين الله تعالى من عنت وإيذاء، وتكذيب واستهزاء، وكمال رأفته صلى الله عليه وسلم وشفقته بأمته، وحرصه على نيلها لكلّ خير، وإبعادها عن كلّ شرّ.

ويعلّق الإمام ابن القيّم رحمه الله على هذه الأسباب بقوله: " ومن هذه الأسباب: وصل المحبون إلى منازل المحبة، ونالوا القرب، ودخلوا على الحبيب.. ومِلاك ذلك كلّه أمران: استعداد الروح لهذا الشأن، وانفتاح عين البصيرة. وبالله التوفيق ".

وقبلَ هذه الأسباب وبعدَها لابدّ من التوبةِ النصوح من جميع الذنوب، ومن الإصرار على المحرّماتِ والمعاصي، وأن يكون قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون}[آل عمران:135]، شعار المؤمن في حياته، ومنطلقه وملاذه، يسارع إلى الإنابة إلى الله تعالى بعد كلّ ذنب، ويحرص على تجديد التوبة، فإنّ القلوب المترعة بحبّ الشهوات الأثيمة وإلفها والإصرار عليها لا مكان فيها لحبّ اللهِ ورسولِه صلى الله عليه وسلم، ولا حظّ لها من التنعّم بذلك إلاّ أن تتطهّر من أدناسها، وتقبل بصدق الهمّة على ربّها، وهذه الأسباب التي ذكرناها آنفاً خير عون للمؤمن على إحكام التوبة وتحقيقها، والله وليّ التوفيق والسداد.

فامتحن نفسك أخي المؤمن عند كلّ سبب من هذه الأسباب، فإن رأيت منها مسارعة في مرضاة ربّك، وما يحبّه الله سبحانه، ومسارعة في طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، والحرص على اتّباع سنّته وهديه، فاحمد الله تعالى أن لديك براهين صدقك في محبّتك، وإيثارك لمرضاة ربّك على شهوات نفسك.. وإن وجدت غير ذلك فالسبيل أمامك مرسوم، والطريق آهل بالمحبّين السالكين، وساعات السبق بالرهان محدودة بأنفاس هذه الحياة، فلا تكن من القاعدين المفرّطين المحرومين.؟! والسعيد من وفّقه الله تعالى وهداه.

وبعد؛ فإنّ أحوج ما تحتاجه أجيالنا الحاضرة: التربية على الطاعة لله، والاتّباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالحبّ والرغبة، لا بسيف الترهيب والتخويف، وأن تعقد أواصر الحبّ والمعرفة العميقة الدقيقة بحياته الشريفة، وسيرته العطرة، وهديه الكريم في كلّ شأن.. فذلك التحصين البنّاء هو الوسيلة المثلى للدفاع عن دين الله، والانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم..

لقد أصبحت لغة الحبّ السامية الراقية غريبة ضائعة، في أمّة حقيقة العبادة في دينها الحبّ.. وأسمى علاقة بين أبنائها الحبّ.. وإنّ كثيراً من المناهج الدعويّة والنشاطات التربويّة القائمة في الساحة اليوم تعاني من الجفاف الروحيّ، والخلل في التربية بالحبِّ، وعلى الحبّ، ممّا يشيع الأمراض النفسيّة في صفوف الدعوات، يجعل العلاقة بين أبنائها أشبه بالعلاقات الحزبيّة، التي تحكمها الأثرة والأهواء، والنفعيّة وتقديم المصالحِ الشخصيّة.. وإنّ ما ينقصها هو اعتماد هذه الأسباب، بالوسائل والأساليب المناسبة، وأن تترجم إلى مناهج عمليّة، وبرامج دقيقة، لتغذّي حُبّ الله تعالى، وحُبّ رسوله صلى الله عليه وسلم في قلوب أتباعها والناشئين في محاضنها..

وإنّ الدعوات التي قامت على ذلك، وتأسّست على إحياء الحبّ في اللهِ، والحُبّ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم نجحت أيّما نجاح، وحقّقت من الثمرات في سنوات ما لم يحقّقه غيرها في عقود.. والتي أغفلت ذلك، لم يكن حظّها من عملِهَا إلاّ الجهد والنصب.. وتلك سنّة الله تعالى في دينه ودعوته، ولا استثناء في ذلك، ولا محاباة..

وما لم يول الدعاة والمربّون ذلك أكبر الأهمّيّة، وأوّل الأولويّة فإنّ الخطر ماحق، والضياع بالأجيال القادمة محدق، والمخرج من التيه دونه حين من الدهر مديد، ولكنّه مُيسّر على المجتهدين الصادقين.. والله المستعان وعليه التكلان.