بناء الجيلِ المؤمنِ المُحبّ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم (1)

أيّ حبّ قد ناله المصطفى صلى الله عليه وسلم.؟!

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْداً دَعَا جِبْرِيلَ، فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلاناً فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلاناً فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْداً دَعَا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلاناً فَأَبْغِضْهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلاناً فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ ).

وَفي رواية عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: كُنَّا بِعَرَفَةَ فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ عَلَى المَوْسِمِ، فَقَامَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لأَبِي: يَا أَبَتِ إِنِّي أَرَى اللهَ يُحِبُّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: لِمَا لَهُ مِنْ الحُبِّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، فَقَالَ: بِأَبِيكَ أَنْتَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلٍ " [رواه البخاريّ في كتاب بدء الخلق برقم /2970/، ومسلم في كتاب البرّ والصلة والآداب برقم/4772/، وهذا لفظ مسلم].

فإذا كان الله تعالى يحبّ الرجل الصالح بهذه الصورة الودودة، ويجعل جبريل عليه السلام يحبّه، وأهل السموات يحبّونه، ويضع له القبول في الأرض، فكيف نستطيع أن نتصور عظم محبّة الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، ونحن نرى هذه المئات من الملايين، وعلى كرّ هذه القرون، الذين يحبّون الرسول صلى الله عليه وسلم من قلوبهم، ويتمنّون لو فدوه بأنفسهم وأرواحهم، وآبائهم وأمّهاتهم.؟! لقد وضع الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم أعظم القبول في الأرض، رغم أنف أعدائه الشانئين، ومَن جحدوا نعمة الله على الإنسانيّة به فكانوا من الأخسرين، ولينتظروا من الله الخزي في الدنيا، وسوء العقبى في الآخرة، فهم الأقلّون الأذلّون، مهما ملكوا من نشب الدنيا وحطامها.

وإنّ أمضى سلاح نقارع به حملات الافتراء والتشويه، والسخرية والاستهزاء أن يتسلّح شباب الأمّة بالعلم الشرعيّ الصحيح، والمعرفة الواسعة بسيرة النبيّ صلى الله عليه وسلم وهديه وسنّته، وتمتلئ قلوبهم إيماناً بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويقيناً، وحبّاً وإجلالاً، ممّا يؤجّج الغيرة الصادقة، ويدفع إلى نصرة الحقّ، والذود عن حِيَاضه.. وينبغي أن يكون ذلك منذ الطفولة، لينشأ المسلم وقد أشرب قلبه حبّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولن تُغلبَ أمّةٌ يتلألأ في جنباتها لواء الحبّ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتؤثر طاعته واتّباعه، والدفاع عن حرماته على كلّ شيءٍ..

إنّ الواقع يشهد أنّ أكثر المسلمين لا يعرفون نبيّهم حقّ المعرفة، ولا يقدّرونه حقّ قدره، فمِن ثمّ عندما تُلقى إليهم الشبهات تلقى آذاناً صاغية، وقلوباً فارغة، وثقافة ضحلة خفيفة، فتتمكّن الشبهات، وتفعل فعلها.. وكيف لهم أن يشعروا بالغيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.؟! وهم لم تستنر عقولهم بمعرفته، ولم تفض قلوبهم بمحبّته.؟ وقديماً قيل: " المرء عدوّ ما جهل.! ".

وإنّ أكثر مجتمعاتنا الإسلاميّة تعاني من ضمور ثقافة الحبّ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتشكو من جفاف القلوب، وتصحّر الأرواح وجفوتها.. فما السبب في ذلك.؟! إنّ العلّة والسبب فينا نحن.. الآباء، والأمّهات، والمعلّمون، والمربّون، والمناهج التعليميّة التلقينيّة، والمؤسّسات التربويّة، والمحاضن الدعويّة.. وما أشبه ذلك.. ولكلّ منها حظّه المزري من التقصير في مسئوليّته..

فكم من الدعاة من يهمل لغة الحبّ والعاطفة، والرفق والرحمة، ويحمل لواء الدعوة بمنهج صعب، وخطاب خشن، ويلقى الناس بوجه كريه.!

وكم من الدعاة من يناله حظّ لا يحسد عليه، من قول الرسول صلى الله عليه وسلم وتحذيره: ( إنّ منكم منفّرين )، فهلاّ نعيد النظر بأساليب خطابنا، وندقّق في مراجعة سلوكنا.! ونطلب من إخواننا النصح والتسديد.؟!

إن الحبّ أعظم قوّة دافعة، وعاطفة محرّكة، وطاقة باعثة، به يظهر الفرق جلياً بين إيمان المؤمنين، وأفكار الفلاسفة المهوّمين، وبه يكون الإيمان حياً نابضاً، بعد أن يكون مغشّى بغشاوات الشهوات والأهواء، مترعاً بحبّ الدنيا، والسعي وراء حطامها..

إن هذه القوّة الدافعة تنهض بالهمم الوانية، فتلحق المقلّين المقصّرين بركب المكثرين السابقين..

وإنّ الحبّ إن لم يوجّه إلى الغايات الشريفة، والأحوال الزكيّة، توجّه إلى الأهواء المفسدة، والشهوات المدمّرة، وأصبحت حياة الإنسان بذلك تافهة رخيصة، أسيرة مستعبدة، ضائعة مضيّعة..

إنّه طاقة ضخمة، لا تقبل الإهمال والتعطيل، وإلاّ فإنها تنقلب إلى قوّة باغية مفسدة.. كواقع حال كثير من أبناء الأمّة اليوم.

لقد استغرقت أهواؤنا وشهواتنا هذه الطاقة الحيّة، والمنحة الإلهيّة البديعة، وضيّعت منها الكثير الكثير، وراء فتنة النساء والأولاد، والأموال وحبّ الجاه، والتفاخر بالمظاهر وأنواع الزينات..

إنّ الحبّ لله تعالى هو الأصل الأوّل، والمدخل الأجلّ لبناء جيل قويّ في إيمانه، راسخ في مواقفه، ثابت أمام الفتن والمحن، وإنّ حبّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أمران متلازمان، لا ينفكّ أحدهما عن الآخر..

يقول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للهِ... }[البقرة:165].

يقول الإمام ابن جزيّ رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: " اعلم أنّ محبّة العبد لربّه على درجتين: إحداهما المحبّة العامّة التي لا يخلو منها كلّ مؤمن، وهي واجبة. والأخرى المحبّة الخاصّة، التي ينفرد بها العلماء الربّانيّون، والأولياء، والأصفياء، وهي أعلى المقامات، وغاية المطلوبات، فإنّ سائر مقامات الصالحين: كالخوف، والرجاء، والتوكّل، وغير ذلك، فهي مبنيّة على حظوظ النفس، ألا ترى أنّ الخائف إنّما يخاف على نفسه، وأنّ الراجي إنّما يرجو منفعة نفسه، بخلاف المحبّة، فإنّها من أجل المحبوب، فليست على المعاوضة.

واعلم أنّ سبب محبّة الله معرفته، فتقوى المحبّة على قدر قوّة المعرفة، وتضعف على قدر ضعف المعرفة، فإنّ الموجب للمحبّة أحد أمرين وكلاهما إذا اجتمع في شخص من خلق الله تعالى كان في غاية الكمال: الموجب الأوّل: الحسن والجمال، والآخر: الإحسان والإجمال، فأمّا الجمال فهو محبوب بالطبع، فإنّ الإنسان بالضرورةِ يحبّ كلّ ما يستحسن، والإجمال مثل جمال الله في حكمته البالغة، وصنائعه البديعة، وصفاته الجميلة الساطعة الأنوار، التي تروق العقول، وتهيج القلوب، وإنّما يدرك جمال الله تعالى بالبصائر، لا بالأبصار، وأمّا الإحسان فقد جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها، وإحسان الله إلى عباده متواتر، وإنعامه عليهم باطن وظاهر: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار}[إبراهيم:34]، ويكفيك أنّه يحسن إلى المطيع والعاصي، والمؤمن والكافر، وكلّ إحسان ينسب إلى غيره فهو في الحقيقة منه، وهو المستحقّ للمحبّة وحده.

واعلم أنّ محبّة الله تعالى إذا تمكّنت من القلب ظهرت آثارها على الجوارح من الجدّ في طاعته، والنشاط لخدمته، والحرص على مرضاته، والتلذّذ بمناجاته، والرضا بقضائه، والشوق إلى لقائه، والأنس بذكره، والاستيحاش من غيره،.. وخروج الدنيا من القلب، ومحبّة كلّ من يحبّه الله، وإيثاره على كلّ من سواه، قال الحارث المحاسبيّ: " المحبّة تسليمك إلى المحبوب بكلّيّتك، ثمّ إيثارك له على نفسك وروحك، ثمّ موافقته سرّاً وجهراً، ثمّ علمك بتقصيرك في حبّه " التسهيل لعلوم التنزيل 1/67/.

{ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للهِ } لأنّهم يعيشون مع الله.. ويشهدون أنّ الكون بما فيه خلق الله وملكه، وأنّ الأمر أمره، والنهي نهيه، وأنّه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا رادّ لقضائه، ولا معقّب لأمره، له الملك، وله الحمد في السموات والأرض، وله الحمد في الأولى والآخرة..

{ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للهِ } لأنّهم يدعون الله رغباً ورهباً، ويعبدون الله تعالى في السرّاء والضرّاء، ولأنّ قلوبهم امتلأت بتعظيم الله وخشيته، وإجلاله وهيبته.. ولا يلوّثون قلوبهم بالتعلّق بأحد سوى الله..

{ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للهِ } لأنّهم يؤثرون مرضاة الله تعالى على أيّ هوىً أو رغبة، ويبذلون في سبيل الله مهجهم وأرواحهم، ويرون ذلك قليلاً في جنب الله ونصرة دينه.!

{وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للهِ } لأنّهم يأوون إلى ركن الله المكين، ويتمسّكون بحبله المتين، ويلوذون بحمى الله الذي لا يرام ولا يضام: {... وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم}[آل عمران:101].

{ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للهِ } لأنّهم يتوكّلون على الله، ومن يتوكّل على الله، فهو حسبه، فالله تعالى حسبهم، ونعم الوكيل.

{وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للهِ } مهما تقلّبوا على جمر الابتلاء، فهم يتلذّذون بالصبر لله، وفي الله، لا ترهبهم قوّة، ولا تأسرهم شهوة، ولا تحكمهم نزوة، ولا يبالون بكيد، ولا يحدّهم قيد..

{وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للهِ } لأنّهم يشتاقون إلى الله مولاهم، ويحبّون لقاءه، فيحبّ الله لقاءهم، ويحسنون الظنّ بالله، فيكرمهم الله بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر..

{وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للهِ } إنّها حقيقة تذهل عبدة الطاغوت، وأولياء الشيطان، وتقتلهم همّاً وغمّاً، وتذهب كيدهم مع السراب، وتجعل مكرهم وخططهم في تباب.. حقيقة تجعل الصراع بين الحقّ والباطل أكبر من قوّة الباطل، ومن صراع الندّ مع الندّ، مهما ملك الباطل من قوّة المادّة، وأسباب القوّة، ومهما وقف الحقّ مجرّداً منها.. إنّها تجعل الباطل يتصاغر أمام هيبة الحقّ وعزّته: {... فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَال}[الرعد:17].

واعلم أخي المؤمن أنّ أعظم ما يدفعك إلى تحصيل محبّة الله تعالى ومحبّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ويجعل حبّك لله أعظم وأشدّ من كلّ حبّ: أن تعلم أن محبّتك لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، هي أثر عن سبق محبّة الله لك، فإذا تحقّقت من نفسك أنّك تحبّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فاستبشر أنّ الله تعالى يحبّك، لأنّ الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ... }[المائدة:54]. فذكر سبحانه أنّ أوّل صفة لهم: أنّهم يحبّهم الله تعالى.

وكذلك سبقت محبّة رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس جميعاً، حبّ أيٍّ منهم له صلوات الله وسلامه عليه، لأن الله تعالى أرسله رحمة للعالمين، ومقتضى ذلك أن يحبّ الناس، ويحرص على خيرهم وهدايتهم، وهذا ما كان عليه صلوات الله وسلامه عليه، فقد كانت دعوته لقومه، وهو يناله أشدّ الأذى منهم: ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) [رواه البخاريّ في كتاب أحاديث الأنبياء برقم /3218/ ومسلم في كتاب الجهاد والسير برقم /3347/ عن عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَحْكِي نَبِيّاً مِنْ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ:..]

وإنما مثل ذلك كمثل محبّة الوالد والوالدة للولد، فكما أن محبّة الوالد والوالدة لولدهما، تسبق محبّة ولدهما لهما، ومحبّة الولد لهما هي أثر عنها، فكذلك محبّة رسول الله صلى الله عليه وسلم للإنسانيّة عامّة، وللمؤمنين خاصّة، تسبق محبّتهم له، وتتقدّم عليها.

ومن لم يستشعر ذلك من نفسه، ويحرص على تنمية محبّة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في قلبه، فليبك على نفسه، ولتتقطّع أنفاسه حسرات على ما فقد من حلاوة الإيمان وأنس اليقين وثمراته، وليعلم أنّه من القاسية قلوبهم، الغافلين المعرضين، الغارقين في بحار الأهواء والشهوات، مهما حافظ على رسوم ظاهرة، وحرص على إقامة الاحتفالات، واقتصر على إحياء الذكريات، وأنه ممن يقابل الإحسان بالإساءة والنسيان، مهما تحرّك لسانه بأذكار وأوراد، لأنها لا تؤدّى بما تحمل من معان وحقائق، والمعوّل عند علاّم الغيوب على ما في القلوب، من حقائق الإيمان اليقين، وصدق الطاعة والاستجابة..

قال في المواهب: ".. وإذا كان الإنسان يحبّ من منحه في دنياه، مرة أو مرتين، معروفاً فانياً منقطعاً، أو استنقذه من مهلكة أو مضرّة لا تدوم، فما بالك بمن منحه منحاً لا تبيد ولا تزول، ووقاه من العذاب الأليم ما لا يفنى ولا يحول.؟!

وإذا كان المرء يحبّ غيره على مافيه من صورة جميلة، وسيرة حميدة، فكيف بهذا النبيّ الكريم، والرسول العظيم، الجامع لمحاسن الأخلاق والتكريم، المانح لنا جوامع المكارم والفضل العميم، فقد منحنا الله به منح الدنيا والآخرة، وأسبغ علينا نعمه باطنة وظاهرة، فاستحقّ أن يكون حظّه من محبّتنا له أوفى وأزكى من محبّتنا لأنفسنا وأولادنا، وأهلينا وأموالنا، والناس أجمعين، بل لو كان في مَنبت كلّ شعرة منا محبّة تامّة له صلى الله عليه وسلم، لكان ذلك بعض ما يستحقّه علينا.

ويقول القاضي عياض رحمه الله تعالى: " فما ظنّك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كلّ هذه الخصال، إلى ما لا ينال بكسب ولا حيلة إلاّ بتخصيص الكريم المتعال، من فضيلة النبوّة، والرسالة، والخلّة، والمحبّة، والاصطفاء، والإسراء، والرؤية، والقرب، والوحي، والشفاعة والوسيلة والفضيلة، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، وإيتاء الكتاب والحكمة، والسبع المثاني والقرآن العظيم، وصلاة الله تعالى وملائكته، وتأييده بالمعجزات، وما خصّه الله تعالى به من منازل الكرامة ودرجات القدس، ومراتب السعادة التي تقف دونها العقول، وتحار دونها الفهوم.! ".

وهكذا طفحت قلوب الصحب الكرام رضي الله عنهم بحبّ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يقول عمرو بن العاص رضي الله عنه: (.. وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلالاً لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ، لأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ ) رواه مسلم في كتاب الإيمان برقم /173/ في حديث طويل عنه.

ويقول أبو هريرة رضي الله عنه: ( مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَداً أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَأَنَّمَا الأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ ) رواه الترمذي في كتاب المناقب عن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم برقم /3581/، وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: ( رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي لَيْلَةٍ إِضْحِيَانٍ ( أي ليلة اكتمال القمر ) فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَإِلَى القَمَرِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَإِذَا هُوَ عِنْدِي أَحْسَنُ مِنْ القَمَرِ ) رواه الترمذي في كتاب الأدب عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم برقم /2735/، وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ الأَشْعَثِ.