بأبي أنت وأمّي يا رسول الله

أخي المسلم ! المحبّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم !

أتدري أهمّيّة هذه الكلمة التي تقولها، ويقولها كلّ مؤمن محبّ.؟ إنّها كلمة عظيمة القدر، جليلة الأثر.. تصدر عن صدق الإنسان في الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.. وإنّه لا يخفى على أيّ مسلم أنّ شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله هي الركن الأوّل من أركان الإسلام، لا يُقبل الدخول في دين الله ما لم يعلن الإنسان هذه الشهادة، صادقاً مخلصاً بها من قلبه، وقد كلّفت هذه الشهادة النبيّ صلى الله عليه وسلم جهاداً مريراً، يوم قام يصدع بدعوة الناس إلى دين الله تعالى، وتوحيده وعبادته.. وعرف الناس يومها ما وراء هذه الدعوة والشهادة، وما تكلّفهم من تضحيات وأعباء.. فلم يُقدِم عليها إلاّ من قالها بصدق، ووطّن نفسه على تحمّل تبعاتها ومسؤوليّاتها..

ومن هنا فإنّ ركن الإسلام الأوّل لم يكن إعلاناً ظاهريّاً، يقتصر على لسان الإنسان، ولا يتجاوزه، إنّه تعبير عن إذعان العقل، وخفقة القلب، واستجابة السلوك، التي تتجلّى أوّل ما تتجلّى بإعلان اللسان.. إنّه تعبير عن اصطباغ كيان الإنسان كلّه بصبغة التوحيد والإيمان، وما تقتضيه من عبوديّة لله خالصة، وطاعة مطلقة، وحبّ لنبيّه صلى الله عليه وسلم واتّباع، وإيثار له على الأهل والمال والولد والمتاع، والنفس والنفيس، وكلّ ما يُؤثَر أو يُحَبّ..

إنّه التعبير الصادق عن التحوّل إلى صبغة الله الربّانيّة، التي تصل الإنسان بالملأ الأعلى، وتحرّره من حطام الأرض، وأوهام المادّة: {صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدون}[البقرة:138].

ولقد عرف تاريخ الدعوة الأولى نماذج فذّة من أولئك الذين قالوا هذه الشهادة بصدق، وتحمّلوا لأجلها كلّ أذىً وابتلاء في سبيل الله.. ولم يكونوا بذلك بدعاً في تاريخ الدعوة إلى الإيمان، فقد قصّ علينا القرآن من ذلك، وكذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم ما يؤكّد أنّ الابتلاء والتضحية ليس موقفاً عرَضيّاً، ولا حالة شاذّة، بل هي سنّة ماضية من سنن الله في تاريخ الإيمان، وقافلة المؤمنين على مدار التاريخ..

ولكنّ الملاحظ في تاريخ هذه الأمّة، وهي التي شهد الله لها بالخيريّة على سائر الأمم، كما شهد لها نبيّها صلى الله عليه وسلم بذلك أنّ هذه النماذج الفذّة لم تكن قليلة ولا نادرة، بل هي كثيرة كثرة عجيبة، وشائعة شيوعاً عامّاً في كلّ الأمم وشعوب الأرض، الذين دخلوا في دين الله، وعرفوا حقيقة هذه الشهادة، وما تقتضي من تضحيات.. إنّها ثمرة بذرة الإيمان الصادق، وبشاشته عندما تلتقي مع الفطرة، فتسري في الدماء، وتختلط بخفقات القلب.. ولاشكّ أنّ العجب يزول من هذه الظاهرة عندما نفهم هذه الشهادة على حقيقتها، وما تحمل من معان كبرى، وحقائق شاملة ضخمة، لابدّ للمؤمن أن يعيها حقّ الوعي، وهو يُقدّم هذه الشهادة، ويقرّ بها..

إنّ هذه الشهادة تنتظم حياة الإنسان كلّها، وتترجم علاقته بهذه الدنيا، إنّها تقتضي تعظيم الله تعالى تعظيماً، لا يشبهه تعظيم ولا يدانيه، وتقتضي حبّ الله تعالى حبّاً لا يماثله حبّ، ولا يقاربه.. {... وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا للهِ... }[البقرة:165]، وكذلك تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبّه، أعلى ما يكون التعظيم والحبّ لأحد من البشر أيّاً كان شأنه.. {لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}[الفتح:9].

وممّا يلاحظ بصورة واقعيّة عمليّة أنّ هذا التعظيم والحبّ تجلّى في تشريعات ومواقف، فالتكبير وهو تعظيم لله تبارك وتعالى شعار المؤمنين في الحياة كلّها.. إنّه فيض ثرّ رقراق من نبع الإيمان الذي لا ينضب، ولا يغيض.. يتكرّر في الأذان ستّ مرّات، ويتكرّر في الإقامة أربع مرّات، وبه تفتتح الصلاة، وهو ركن فيها، وهو نشيد المؤمنين الإيمانيّ، ومظهر بهجتهم وفرحتهم بالعيدين، يردّدونه صباح مساء، وفي أعقاب الصلوات.. وهو شعارهم في الجهاد في سبيل الله، يذكّرهم بالله تعالى، وأنّ القوّة لله جميعاً، فيثير حماستهم، ويشدّ عزائمهم، ويرهب أعداءهم، ويلقي الرعب في قلوبهم.. وهو حداؤهم العذب، ورفيقهم في تنقّلاتهم وأسفارهم، كلّما علوا جبلاً أو مرتفعاً من الأرض..

والتعبير عن الحبّ الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم تجلّى في كلّ موقف من مواقف أصحابه؛ فما أكثر ما انطلقت هذه الكلمات الجميلة، من أفواههم في كلّ مناسبة، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، عالية مدوّية، صادقة معبّرة: " بأبي أنت وأمّي يا رسول الله.. نفسي دون نفسك.. نحري دون نحرك.. ".

وهذه التشريعات والمواقف، أوجدت روحاً سارية في حياة الأمّة، ملكت عليها مشاعرها، وأجّجت عواطفها، فمهما شغلتها الدنيا، واستغرقت في شئونها، وغفلت عن ذكر ربّها، وقصّرت بحقّ دينها، فإنّ هذه الروح تكمن بإذن الله ولا تموت، وتخبو ولا تنطفئ، وتضمر ولا تزول، وعندما تتعرّض لأيّ مثير، تراها تشبّ وتثور، وتصبح كالعاصفة الهائجة، أو البركان المدمّر.. وغالباً ما تكون المثيرات عدواناً على دين الله تعالى من بعض الأعداء الحاقدين، فتؤدّي إلى عكس ما يريدون ويمكرون.. {... وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين}[الأنفال:30].

لقد قال الصحابة رضي الله عنهم هذه الكلمات في أحلك الظروف وأدقّها: حين اشتدّ القتال مع أعداء الله تعالى، وتكالبت عليهم قوى الشرّ والمكر، وأحدق الخطر والموت بهم وبرسول الله صلى الله عليه وسلم من كلّ جانب، وكان الموت قاب قوسين أو أدنى، وحين وقف أحدهم وحده، يواجه الموت صبراً، يتحدّى قوى الكفر والباطل، وفي مثل هذه الظروف تبدو الأمور على حقيقتها، وينكشف صدق المبادئ من زيفها.. قال الصحابة الكرام  هذه الكلمات بصدق، فأدهشوا أعداءهم بها، حتّى قال زعيمهم أبو سفيان في موقف من المواقف، قبل أن يسلم: " ما رأيت أحداً يحبّ أحداً كحبّ أصحاب مُحَمّد مُحَمّداً.. "[ عندما أرادوا قتل زيد بن الدثنّة رضي الله عنه]، وقال زعيم آخر [هو عروة بن مسعود الثقفيّ، قال ذلك عندما وفد على النبيّ صلى الله عليه وسلم وسيطاً في صلح الحديبية]: " أي قوم ! والله لقد وفدت على الملوك: على كسرى وقيصر والنجاشيّ، والله ما رأيت ملكاً يعظّمه أصحابه كما يعظّم أصحاب مُحَمّد مُحَمّداً.. والله ما تنخّم نخامة إلاّ وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها جلده ووجهه، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النظر إليه تعظيماً له.. " [انظر: " السيرة النبويّة وأخبار الخلفاء " للإمام الحافظ المحدّث ابن حبّان البستيّ ص /277/].

ولا يزال كلّ مؤمن ومؤمنة، يقول هذه الكلمات في كلّ وقت، وفي مثل هذه الظروف، على وجه الخصوص، ليواجه غطرسة الباطل وطغيانه، ويترجم عن صدق إيمانه، وقوّة يقينه بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومبلغ ولائه لدينه..

أفما ترى معي في ذلك أخي المؤمن أنّ دينَ الله هو الدينُ الظاهرُ على الدين كلّه، إذ جعل الله له من كيد أعدائه، وما يبذلون لمحاربته من إمكانات مادّيّة، وجهودٍ بشريّة مضنية سبباً لقوّته، وتجديد بنيانه، ووعي أبنائه.. فكيف بما يبذل أصلاً لنصرته، والدعوة إليه، والدفاع عن حرماته.؟! إنّه نور الله.. وأنّى لهم أن يطفئوا نور الله بأفواههم.؟!

وصدق الله القائل في محكم آياته، ومن أصدق من الله قيلاً: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُون}[الأنفال:36].