الهجرة: حركة محورها الإنسان

الهجرة فعل حركي قامت عليه امبراطوريات وانتشرت به دعوات وتحركت به حركة التاريخ.

هجرة قبائل الشمال أقامت الامبراطورية الرومانية، والهجرة من جزيرة العرب أقامت الحضارة الإسلامية، وهجرة قبائل آل عثمان أقام الامبراطورية العثمانية، وهجرة الأوروبين للأرض الجديدة أقامت أمريكا ...

وكذا كانت الدعوات الكبرى في التاريخ؛ سيدنا إبراهيم هاجر من العراق ليضع حجر الأساس في مكة، سيدنا موسى هاجر بقومه من مصر لفلسطين، هاجر أتباع المسيح الأوائل بطرس وبولس لنشر المسيحية ...

وفي هذا الإطار التاريخي والاجتماعي كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم حركة لصناعة التاريخ، وكتابة فصل جديد للبشرية، بل حفر عميق في بنية تاريخ الإنسان على وجه الأرض سيستمر معه حتى قيام الساعة.

فهجرة النبي صلى الله عليه وسلم كانت وفق السنن التاريخية في تغيير مجرى التاريخ، ولكن ما يميزها عن غيرها أن محورها كان إرساء لمفهوم قدسية الإنسان، تحقيقا للرسالة التي أُرسِل بها من ربه وهاجر في سبيل إرساء قواعدها.

فرسالة الإسلام التي حملها النبي صلى الله عليه وسلم، تدور مقاصدها حول قدسية الإنسان: حفظ نفسه، ودينه، وعقله، ونسله (عِرضه)، وماله.

فقدسية الإنسان تعلو على قدسية الوطن وإن كانت مكة، وتعلو على قدسية أي مقدس للإنسان حتى ولو كان الكعبة.

كانت الهجرة فرارا من أرض يعذب فيها الإنسان حتى وإن كانت في قداسة مكة، لأرض يأمن فيها على ممارسة حقه في الحياة.

وإن كان البعض يستصغر أن يتم اختصار أهداف الهجرة في الفرار من العذاب في مكة، فهذا يحمل وجها من الحقيقة فأهدافها بالفعل أكبر من ذلك.

ولكن؛

ما هو تفسير الهجرة للحبشة في بدايات الدعوة.؟

فإن كان للهجرة الكبرى أهداف أكبر، فالهجرة للحبشة هدفها واضح لا لَبْسَ فيه: (إن فيها ملكا لا يُظلَم عنده أحد)؛ يعني بكل وضوح هروب من الأرض التي لا يتحقق فيها العدل، حتى ولو كانت هجرة إلى أرض ملك نصراني.

أي فكر تقدمي هذا، وأي إعلاء لقيمة الإنسان والعدالة تلك، وأي مغامرة تلك بتوجيه حديثي عهد بالإسلام إلى أرض بعيدة، يسودها دين سماوي له قيمه ومعتقداته الراسخة. ألم يخش النبي صلى الله عليه وسلم من انجراف هؤلاء الشباب والرجال والنساء نحو الدين الجديد وتقاليد الأرض الجديدة خاصة وانهم حديثو عهد بالإسلام.

تخوفات مشروعة لا تغيب عن ذهن رسول قائد، ولكنها تهون إن كانت في سبيل إعلاء قيمة الإنسان وحريته وكرامته.

فالهجرة النبوية الشريفة؛ حركة غيرت التاريخ وصنعته صناعة جديدة مستمرة حتى قيام الساعة.

ومحورها؛ بناء الإنسان، وغرس مفهوم قداسته عن كل مقدس سواه.