الموجز في التاريخ: معركة الجمل

كانت معركة الجمل على جولتين، الجولة الأولى كان طلحة والزبير قائدا جيش البصرة، وكان علي قائدًا جيش الكوفة، وكان علي قد دعا الزبير، فحادثه وأجمل في الحديث، وذكره بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم له: «لتقاتلنَّه وأنت له ظالم»(1)؛ فانصرف الزبير من المعركة قبل بدئها، فلقيه ابن جرموز فقتله، ولما بدأت المعركة أصيب طلحة رضي الله عنه بسهم لا يعرف من رماه، فنزف نزفًا شديدًا، ثم حمل إلى البصرة ومات فيها، وانجلت المعركة بسقوط قتلى وجرحى من الجانبين، وكانت الغلبة فيها لجيش علي رضي الله عنه، وقد تألم عليٌّ لذلك ألـمًا شديدًا رضي الله عنه.

لـمَّا وصل خبر المعركة إلى عائشة رضي الله عنها؛ خرجت على جملها تحيط بها القبائل الأزدية، وطلبت من كعب بن سور أن يرفع المصحف أمام الناس، ويدعوهم لوقف الحرب، لكن ذلك لم يلق قبولًا من أهل الفتنة، فما إن رأى السبئيون كعبًا يفعل ذلك؛ حتى رشقوه بنبالهم فقتلوه، وأصابت نبالهم جمل عائشة وهودجها، فصارت تنادي: يا بني: الله الله، اذكروا الله ويوم الحساب، وكفوا عن القتال، والسبئيون لا يستجيبون لها، وكان علي يأمر جيشه بالكف عن القتال أيضًا، لكن السبئيين لم يستجيبوا له، فلما رأت عائشة ذلك نادت في الناس أن يلعنوا قتلة عثمان، ففعلوا، ولما سمع علي ذلك، أمر جيشه أن يلعنوا قتلة عثمان أيضًا.

وجه السبئيون جهودهم لعقر الجمل وقتل عائشة، فسارع الجيش لحمايتها، ودارت عند الجمل معركة قاسية شرسة، وكان لا يأخذ خطام الجمل أحدٌ إلا قتل، حتى أمر عليٌّ نفرًا من جنده -لوقف هذه المعركة- بعقر الجمل، وإخراج عائشة من أرض المعركة، ففعلوا ذلك، منهم محمد بن أبي بكر أخوها، وما إن زال السبب الذي دفع البصريين للإقبال على الموت، وأُخرجت أم المؤمنين من الميدان؛ حتى ولوا الأدبار منهزمين، وانجلت المعركة عن عدد من القتلى، اختلفت الروايات في تقديره، والصحيح في ذلك أن عددهم لم يتجاوز المائتي قتيل، ولما رأى الأسرى من أهل البصرة المعاملة الكريمة لهم من أمير المؤمنين: علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ بايعوه والتفوا حوله، فجعل عليهم عبد الله بن عباس أميرًا (2).

الهوامش:

(1) الحاكم، محمد بن عبد الله، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر (بيروت: دار الكتب العلمية، ط 1، 1411/1990) 3/413، قال الحافظ الذهبي: صحيح.

(2) ينظر: الطبري، تاريخ الطبري، مصدر سابق، 4/508، وينظر: ابن الأثير، الكامل، مصدر سابق، 2/616.