الموجز في التاريخ: فتح الإسكندرية

كانت الإسكندرية عند فتح المسلمين لها عاصمةَ بلاد مصر، وثانية حواضر الإمبراطورية البيزنطية بعد القسطنطينية، وأول مدينة تجارية في العالم، وكان البيزنطيون يدركون خطورة استيلاء المسلمين عليها، ويحملون هَمَّ ذلك؛ حتى قال هرقل: لئن ظهر العرب على الإسكندرية إن ذلك انقطاع ملك الروم وهلاكهم(1)؛ لذا كانت المدينة تمتاز بمتانة حصونها، وضخامة أسوراها؛ إضافة لموقعها المتميز على البحر.

سار عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى الإسكندرية في جمادى الآخر، عام: (21 ه) وخاض في طريقه إليها عدة معارك كبرى، لم تحظَ بالشهرة كما حظيت بها غيرها من معارك المسلمين، وكان من أكبر تلك المعارك: معركة: سُلْطَيْس وكِرْيون(2)، ولما وصل عمرو رضي الله عنه الإسكندرية؛ فرض عليها حصارًا محكمًا؛ دام عدة أشهر، خشي خلالها عمرو رضي الله عنه من تملل جنوده، أو شعورهم بالعجز؛ بل لقد أرسل إليه الخليفة عمر رضي الله عنه يسأله عن سبب تأخر فتح مصر، ويحضه أن يخطب الناس ويحضهم على القتال، ويجعل عليهم الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، ففعل عمرو رضي الله عنه، وعقد الراية لعبادة بن الصامت رضي الله عنه؛ ففتح الله عليهم، وأظفرهم على عدوهم(3).

سار بعد ذلك عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى برقة؛ ليؤمن فتوحاتِه من الغرب؛ حيث قوات الروم تتحصن في برقة وطرابلس، ففتح الله عليه برقة صلحًا عام: (22 ه)، ثم سار إلى طرابلس، وحاصرها أشهرًا، لا يقدر منها على شيء؛ حتى استطاعت جماعة من المسلمين دخولها من جهة البحر؛ ففتح اللهُ بعدها المدينة على المسلمين(4)، وأراد عمرو رضي الله عنه بعد ذلك أن يسير إلى تونس وإفريقية ليفتحها؛ لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خشي على جيوش المسلمين من الزحف السريع في أرض لا يعرفونها، وأمر بالتوقف عند طرابلس(5)، وبذلك امتدت دولة الإسلام في عصر الخليفة: عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتشمل مساحة شاسعة من الأرض، يحدها من الشرق نهر جيحون، ومن الغرب بلاد إفريقية وصحرائها إلى طرابلس، ومن الشمال جبال آسيا الصغرى وبلاد أرمينية، ومن الجنوب المحيط الهادي وبلاد النوبة.

(1) السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية، ط 1، 1387/1967) 1/119.

(2) الحميري، الاكتفاء، مصدر سابق، 2/337، وينظر: طقوش، محمد سهيل، تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية (عمَّان: دار النفائس، ط 1، 1424/2003) 1/311.

(3) ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، مصدر سابق، 1/1013.

(4) ابن الأثير، الكامل، مصدر سابق، 2/408.

(5) ابن عبد الحكم، فتوح مصر والمغرب، مصدر سابق، 1/198.

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين