الموجز في التاريخ: إسلام علي رضي الله عنه وصحبته رسول الله صلى الله عليه وسلم

هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يلتقي معه في جده الأول: عبد المطلب، ولد قبل البعثة بعشر سنين، وكان يكنى أبا الحسن، نسبة إلى ابنه الأكبر: الحسن، وكناه النبي صلى الله عليه وسلم: أبا تراب، وقد أكرم الله سبحانه عليَّاً فكان أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم من الصبيان، ولزمه في مراحل دعوته في مكة، وكان من المشاهد التي صحب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية؛ أن طاف معه على قبائل العرب، يبحث عمن يحمل هذه الدعوة ويحوطها؛ بعد أن كفرت بها قريش، وفي نهاية المرحلة المكية قدَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمل فدائي عظيم، حين أمره أن ينام في فراشه صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة، ثم هاجر عليٌّ رضي الله عنه بعده إلى المدينة المنورة سيرًا على قدميه(1).

لقد كان عليٌّ رضي الله عنه واحدًا من المكيين الذين قرؤوا وكتبوا في مجتمعهم الأمي، وأكرمه الله تعالى أن تربى على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم زادت عناية رسول الله صلى الله عليه وسلم به بعد إسلامه، فكان صلى الله عليه وسلم الرافد القوي الذي أثر في شخصيته، وصقل مواهبه، وفجر طاقاتِه، وهذب نفسه، فرباه صلى الله عليه وسلم على منهج القرآن وهديه، فكان هذا هو الينبوع الذي استمد منه عليٌّ رضي الله عنه ثقافته، وعلمه وشجاعته؛ حتى صار من رجالات الإسلام وقادته، وأحد الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم.

شهد عليٌ رضي الله عنه مع رسول الله المشاهد كلها إلا تبوك، وفي معركة بدر نزل فيه وفي صحبه قول الله جل وعلا: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيم} [الحج: 19 - 23](2)، وقَتل رضي الله عنه يوم الأحزاب عمرو بن ود، وحمل الراية يوم بني قريظة، وكتب بيده وثيقة الصلح يوم الحديبية، وامتنع عن محو كلمة (رسول الله) من الوثيقة؛ محبةً وتعظيمًا منه لرسول الله صلى الله عليه وسلم(3).

زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة، ورزق منها الحسن والحسين، الذيَن قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»(4) ، وأدخله صلى الله عليه وسلم وفاطمةَ والحسن والحسين معه في الكساء، ثم تلا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33](5)، ولـمَّا تلكم المنافقون في عليّ رضي الله عنه بعد أن استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة يوم تبوك، وقالوا: ما خلفه إلا لثقله عليه؛ واشتكى علي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك؛ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؛ إلا أنه ليس نبي بعدي»(6)، ولـمَّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليٌّ رضي الله عنه ممن باشر غسله صلى الله عليه وسلم(7)، وقال: غسلت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهبت أنظر ما يكون من الميت؛ فلم أرَ شيئًا، وكان طيِّبًا حيَّاً وميتًا، وقال: بأبي الطيِّب، طبت حيَّاً، وطبت ميِّتًا، ثم نزل في قبره رضي الله عنه، وباشر دفنه بنفسه، ومعه الفضل بن العباس، وقُثم بن عباس، وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم(8).

وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتخلف عليٌّ رضي الله عنه أبدًا عن مبايعة الصديق رضي الله عنه(9)، ولم يفارقه في خلافته أبدًا، بل كان يشاركه في المشورة، وفي تدبير أمور المسلمين، ولما عزم أبو بكر رضي الله عنه في حروب الردة على الذهاب بنفسه إلى ذي القصَّة، واستوى على راحلته؛ أخذ علي رضي الله عنه بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أقول لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: «لُمَّ سيفك ولا تفجعنا بنفسك»، وارجع إلى المدينة، والله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدًا؛ فرجع الصديق رضي الله عنه، وقد تواترت الأخبار عنه رضي الله عنه في تقديمه الصديق رضي الله عنه على نفسه، وثنائه عليه؛ خلافا لما يذكره البعض عنه رضي الله عنه(10).

كان علي رضي الله عنه من ضمن الذين استشارهم الصديق رضي الله عنه فيمن يتولى الخلافة بعده، وأشار عليه علي رضي الله عنه أن يوليها الفاروق عمر رضي الله عنه، ولما تولى الخلافة عمر رضي الله عنه كان عليٌ رضي الله عنه مستشاره الأول، فقد كان عمر يعرف لعلي فضله، وفقهه وحكمته، بل ذكر أنه قال رضي الله عنه: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن، يعني علي بن أبي طالب رضي الله عنه(11)، وكان علي رضي الله عنه من الستة الذين أوصى لهم عمر بالخلافة بعده.

ولـمَّا قتل عمر رضي الله عنه لم يكد الناس يفرغون من دفنه؛ حتى اجتمع أهل الشورى والرأي؛ ليختاروا واحدًا من الستة الذين أوصى لهم عمر رضي الله عنه بالخلافة، ثم وقع الاختيار على عثمان رضي الله عنه، فبايعه المسلمون، وكان عليٌّ رضي الله عنه أولَ من بايعه بعد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، وكان قريبًا من عثمان، يستشيره ويأخذ برأيه؛ ولـمَّا وقعت الفتنة على عثمان رضي الله عنه جلس عليٌّ رضي الله عنه مع الموتورين وناقشهم، وبين لهم ما التبس عليهم في أمر عثمان رضي الله عنه؛ فاستجابوا له، ورجعوا على ديارهم؛ ولما عادت الفتنة قوية، وحاصر المفتونون بيت عثمان رضي الله عنه؛ عرض عليه عليٌّ رضي الله عنه النصرة وقتال المحاصرين؛ لكن عثمان رضي الله عنه أبى ذلك(12).

الهوامش:

(1) ينظر: ابن سعد، الطبقات، مصدر سابق، 3/13، 2/6، وينظر: الطبري، تاريخ الطبري، مصدر سابق، 2/374، وينظر: ابن كثير: البداية والنهاية، مصدر سابق، 3/142، وينظر: ابن حجر، الإصابة، مصدر سابق، 4/464،

(2) البخاري، صحيح البخاري، مصدر سابق، 5/75.

(3) ينظر: ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، مصدر سابق، 3/232، والبخاري، صحيح البخاري، مصدر سابق، 4/47، 3/184.

(4) الترمذي، سنن الترمذي، مصدر سابق، 5/565.

(5) مسلم، صحيح مسلم، مصدر سابق، 4/1883.

(6) البخاري، صحيح البخاري، مصدر سابق، 6/3.

(7) أحمد، أحمد بن حنبل، المسند، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، إشراف: عبد الله عبد المحسن التركي (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط 1، 1421/2001) 4/187.

(8) المصدر السابق، 8/246.

(9) الصوفي، أحمد بن محمد، معجم ابن الأعرابي، تحقيق: عبد المحسن بن إبراهيم (الرياض: دار ابن الجوزي، ط 1، 1418/1997) 2/791، وينظر: ابن كثير، البداية والنهاية، مصدر سابق، 6/315.

(10) البيهقي، أحمد بن الحسين، المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، تحقيق: محمد ضياء الرحمن الأعظمي (الكويت: دار الخلفاء للكتاب الإسلامي، د. ط، د. ت) 1/130.

(11) سبق ذكر ذلك عند الحديث عن فتنة عثمان رضي الله عنه.